شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مفاهيم عسكرية غيَّرتها حرب أكتوبر 1973م

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

مِن المفاهيم العسكرية التي أكدت حرب أكتوبر على صلاحيتها للتطبيق كأحد الأساليب المستخدمة ضد قوات العدو المدافعة أنه في حال توقف الهجوم أمام مواقع دفاعية أو قوات ثابتة، فإن القوات البرية لا توقف تقدمها في عملياتها البرية، بل تستمر في الهجوم والتقدم، تاركة خلفها بعضًا مِن قواتها لتثبيت هذه المواقع حتى تسقط، وهو ما فعلته القوات المصرية في حرب أكتوبر، حيث واجهت قوات المشاة المصرية بعد عبور القناة عددًا كبيرًا مِن التحصينات والمواقع الدفاعية القوية على طول خط بارليف، وهي مواقع لها جزء ظاهر فيه المدفعية والأسلحة البارزة فوق الأرض على السطح، وجزء تحت الأرض مجهز لمعيشة الجنود وللدفاع عن الموقع مِن داخله حال حصاره ولو لأيامٍ طويلة، فيمكنهم الاحتماء به والاتصال بالقيادات والقتال دفاعًا عن أنفسهم حتى تصلهم الإمدادات لفك الحصار عنهم وتحريرهم.

وقد قامت القوات المصرية المهاجمة بمحاصرة المواقع التي لم يتم إسقاطها لقوة مقاومتها، تاركة قوات حولها لتثبيتها والتعامل معها حتى تسقط، واندفعت بفضل كثرة عدد المقاتلين -خمس فرق مشاة- متقدمة إلى عمق سيناء، وقد أسفر هذا التقدم خلف هذه التحصينات عن عزل هذه المواقع عن القوات الاحتياطية خلفها، وبالتالي منع وصول أي مساعدة أو إمدادات لها، مما أثر نفسيًّا على القوات المدافعة داخلها وأحبطها، وبالتالي استسلمت أو سهل اقتحامها خلال ساعات، لم تتوقف فيها القوات المهاجمة عن مواصلة هجومها للإمام في عمق سيناء.

3- تحييد القوات الجوية المعادية:

فمِن المفاهيم العسكرية السائدة الاعتماد على السيادة الجوية والسيطرة الجوية في الميدان بما يعني السيطرة على المجال الجوي في المعركة، وحرمان القوات الجوية المعادية مِن أي نشاطٍ جوي سواء كان ذلك في ميدان المعركة كله أو في جزءٍ منه، سواء طوال القتال أو لوقتٍ محدودٍ، فيتم في ظل تلك السيطرة الجوية الكلية أو الجزئية تنفيذ القوات الجوية للأعمال المطلوبة منها بحريةٍ ودقةٍ دون ممانعة، وهذا ما قامتْ به إسرائيل في حرب 1967م حينما دمرت مع بداية الحرب المطارات المصرية وحرمت الطيران المصري مِن المشاركة في المعركة؛ مما أعطى للطيران الإسرائيلي السيادة والسيطرة على سماء سيناء طوال الحرب، وتسبب في هزيمةٍ ساحقةٍ للقوات البرية المصرية على أرض المعركة.

وفي حرب 1973م قامت القوات المصرية بتحييد القوات الجوية الإسرائيلية رغم كفاءتها العالية وأعدادها الكبيرة فلم تتمكن القوات الجوية الإسرائيلية مِن السيطرة الجوية على ميدان القتال، بل لم تتمكن مِن الاستمرار في المشاركة فيه، وعجزت عن تقديم العون الجوي للقوات البرية الإسرائيلية حيث تمكن حائط الصواريخ الذي بناه المصريون على الضفة الغربية على طول خط المواجهة مِن منع القوات الجوية الإسرائيلية مِن توفير غطاء جوي للقوات البرية في الهجمات المضادة ضد القوات المصرية التي عبرت القناة واقتحمت خط بارليف؛ إذ مع كثرة الخسائر الإسرائيلية في الطائرات مع بداية القتال نتيجة لتصدي حائط الصواريخ للطائرات الإسرائيلية بكفاءةٍ عاليةٍ صدرت الأوامر مِن القيادة الجوية الإسرائيلية لطياريها بعدم الاقتراب مِن قناة السويس لمسافة نحو 15 كم، فظلت القوات البرية الإسرائيلية تتعامل مع القوات المصرية المقتحمة للقناة والمخترقة لخط بارليف دون أي مساندةٍ جويةٍ، إذ تم تحييدها تمامًا.

4- إقامة ستارة مِن المشاة مضادة للدبابات:

مِن المفاهيم العسكرية السائدة قبْل حرب أكتوبر 73 أنه في حروب الصحراء والأرض المفتوحة لا يمكن لقوات المشاة الاحتفاظ والتمسك بالأرض منفردة وبدون حماية مِن قوات مدرعة تصحبها لفترة تزيد عن 3 -4 ساعات؛ لذا فإن عند إسقاط قوات مظلات أو إنزال قوات برية محمولة جوًّا بعيدًا عن القوة الرئيسية للجيش فلابد أن تلحق بها القوة الرئيسية "خاصة المدرعات" في مدة لا تزيد عن 4 ساعات، ولكن في حرب أكتوبر 73 تمكنتْ عناصر قوات المشاة المصرية المترجلة وحدها وبدون دعمٍ مِن أي مدرعات مِن صدِّ وتدمير الاحتياطات المدرعة الإسرائيلية والاحتفاظ بالأرض التي تقف عليها لمدة 12 ساعة، وهي الفترة التي تم فيها إتمام بناء الكباري ثم عبور الدبابات والمدرعات المطلوبة كاملة عليها للمشاركة في القتال.

وقد تم تخطيط القيادة العسكرية المصرية لهذا الأمر عن طريق تزويد الموجات الأولى التي عبرت مِن المشاة بأسلحةٍ مضادةٍ للدبابات بحساباتٍ دقيقةٍ، حيث تم دعم كل كتيبة مشاة مترجلة بعددٍ مِن قاذفات (آر. بي. جي) ومعها الذخيرة الكافية، وكذلك تزويدهم بصواريخ مضادة للدبابات (المالوتيكا) الروسية؛ بالإضافة إلى اصطحاب ألغام مضادة للدبابات، مكونة -لأول مرة في التاريخ العسكري الحديث- ما عرف باسم: (الستارة المصرية المضادة للدبابات)، والتي بها تمكنت القوات المصرية مِن صدِّ وتدمير الاحتياطات المدرعة الإسرائيلية والاحتفاظ بما اكتسبته مِن أرضٍ لمدة 12ساعة بدون وجود قوات مدرعة معها.

5- إفشال مفهوم الدفاع المتحرك:

طبقت إسرائيل مفهوم الدفاع المتحرك للدفاع عن خط بارليف، بتواجد قوات مدرعة احتياطية قوية خلف مواقع خط بارليف بعدة كيلوات مِن الأمتار، يمكن توجيهها عند الحاجة لاحتواء وتدمير أي قواتٍ مصريةٍ في حالة عبورها للقناة واستيلائها على بعض المواقع مِن خط بارليف، فجاء الهجوم المصري على طول خط المواجهة بالكامل، واختراق كل الدفاعات الإسرائيلية في وقتٍ واحدٍ ليحول بيْن هذه القوات الاحتياطية ونجدة المواقع الإسرائيلية إذ تشتتت الاحتياطات الإسرائيلية على طول خط المواجهة بالكامل، وصارت ضعيفة ومبعثرة؛ وبالتالي فقدت قدرتها على الدعم والتعزيز المطلوب لمواقعها المحاصرة على القناة، وفقدت بذلك جزءًا كبيرًا مِن دورها الدفاعي.

6- الحصار البحري للعدو عن بُعد:

الصفحة السابقة الصفحة التالية