"الهلالي"... وقضية مساواة المرأة بالرجل في "الميراث!"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زال "الهلالي" يصر على تقديم نفسه ممثلًا "للأزهر!"؛ رغم شذوذاته الكثيرة التي تبرأ منها "الأزهر"، بل وما زال مصرًا على أن يكون هو دائمًا الصوت "النشاز" الذي يرد على الأزهر حتى في المسائل المعلومة مِن الدين بالضرورة، والتي تستند إلى دليلٍ قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وأجمعت الأمة عليه، واستفاض علمها بيْن الخاصة والعامة!
ومِن ذلك: تصديه للدفاع عن القانون الذي قدَّمه الرئيس التونسي والحكومة التونسية إلى البرلمان التونسي بشأن مساواة المرأة بالرجل في الميراث، على الرغم مِن إصدار الأزهر لبيانٍ شديد اللهجة حول تصريحات الرئيس التونسي التي أعلن فيها رغبته في المطالبة بهذا القانون!
والمشكلة: أن "سعد الدين الهلالي" لمَن سمع مداخلته ببرنامج "الحكاية" يوم (24-11-2018م) يعلم جيدًا أن المسألة تستند إلى دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وأنه لم يقل أحدٌ عبْر تاريخ الإسلام بما يخالفه، وسعد الدين الهلالي دائمًا ما يبحث في أي مذهبٍ فقهي؛ سواء كان مِن مذاهب أهل السُّنة أو مِن مذاهب غيرهم؛ ليسوِّغ للعالمانيين كل ما يرغبونه مِن تحريفٍ وتبديلٍ باسم الدين! ولكنه في هذه المسألة عجز عن أن ينسبها إلى أي عالمٍ مِن أي مذهبٍ كان، حتى ولو كان مِن مذاهب المبتدعة!
فلما سئل عن سلفه في المسألة قال: "علماء تونس الحاليين!"، مع أن "علماء الزيتونة" أصدروا بيانًا مشابهًا لعلماء الأزهر، يستنكرون فيه هذا التلاعب بحدود الله.
علمًا بأن "جامعة الأزهر" أصدرتْ بيانًا في اليوم التالي مباشرة تبرأتْ فيه مِن أقوال "سعد الدين الهلالي"، وبيَّنت أنه لا يمثِّل الجامعة في قليلٍ أو كثيرٍ.
الهلالي والاستدلال الأعوج:
قرر الهلالي أن المسألة قطعية، ولكنها تقرر حقًّا وليس واجبًا، وبالتالي لصاحب الحق أن يتنازل عنه، وضرب مثلًا بأسرتين: الأولى مات الأب فتمسك أبناؤه الذكور بقوله -تعالى-: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء:11) ، وقسَّموا التركة على هذا النحو، بينما الأسرة الثانية لما مات الأب تراضوا أن يقسِّموا الميراث بينهم بالتساوي بيْن الذكر والأنثى.
ثم تساءل: أي الأسرتين أقرب إلى الشريعة، وإلى التراحم، وأقرب إلى التحضر؟! مبينًا أن ما تفعله تونس الآن رقي مِن الممكن أن نصل إليه في مصر بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة (نعوذ بالله -تعالى- مِن أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله).
وإليك الرد على ما ألقاه مِن شبهةٍ وتلبيسٍ:
نعم لصاحب الحق أن يتنازل عنه، ويكون في ذلك محسنًا، ولكن الذي أخفاه الهلالي أملًا ألا ينتبه إليه المستمع؛ أن قانونهم المشؤوم سيجبر الجميع على تلك القسمة، ولا يترك خيارًا إلا في حالة وصية الوالد قبْل وفاته أن تقسَّم تركته بالطريقة الشرعية، وأما عند عدم وجود تلك الوصية فالذي يُنفذ هو شريعة "قائد السبسي" و"سعد الدين الهلالي"، وبالتالي فشريعتهم تلتهم ما قررته الشريعة الإسلامية مِن حقٍّ، وتدفع الحق إلى غير صاحبه بالباطل، وهو ظلم مركب -والعياذ بالله!-.
ولا نعرف أن عاقلًا مِن العقلاء "في أي أمةٍ مِن الأمم": جاء إلى حق ثابت مقرر، ثم قال: طالما أن هناك مَن يتنازل عن هذا الحق عن طيب نفسٍ منه، فيجب أن نسن قانونًا يسلب هذا الحق مِن جميع أصحابه!
ولتتضح الصورة أكثر نقول: ثم ماذا لو طردنا "قاعدة الهلالي"؟!
وحيث إن التبرع الاختياري يمكن أن يحصل بيْن أي متعاملين: مِن بائعٍ ومشترٍ أو موظفٍ وشركةٍ أو... وبناءً على قاعدة الهلالي، فإن مجرد تصور وقوع التبرع واستحسانه بالطبع، فسيجعل للبرلمان الحق في أن يَنتزع مِن أي فئةٍ أموالهم ويضعها لأي فئةٍ أخرى، طالما أن المال كان مِن الممكن أن يُتبرع به، فهل تسقيم حياة بهذا؟!
ولا نظن أن الهلالي يمكنه أن يطالِبَ بمثل هذا في غير مسألة الميراث، فشريعة "راند" التي تطالب بالمساواة بيْن الرجل والمرأة في الميراث لا تكتفي بحماية الملكية الفردية، بل تبالغ في حمايتها، ولو تصورنا أن رجلًا اشتراكيًّا قام ينادي الآن بالتأميم أو المصادرة أو... لانبرى له المعترضون مِن كل حدبٍ وصوبٍ رافضين هذا الظلم، ومنددين بأكل أموال الناس بالباطل.
وإذا تكلمنا عن حال الأخ مع أخته، فلو تصورنا أن أخًا أهدى أخته هدية مِن ماله الذي اكتسبه، وليس مما ورثه عن والدهما؛ فلا شك أن هذا مِن الإحسان ومِن البرِّ، ولكن لو صدر قانون يمنح كل امرأة جزءًا مِن مال أخيها بلا أي مسوغٍ؛ فهو بلا شك مِن أكل أموال الناس بالباطل، ومِن إلقاء العداوة والبغضاء بيْن الناس، ومِن قلب الأرحام المتراحمة إلى أعداءٍ متصارعةٍ.
فإذا تقرر هذا؛ فالصواب عند كل مؤمن أنه لا فرق البتة بيْن ماله الذي اكتسبه مِن عمله وبيْن المال الذي كتبه الله له مِن ميراث أبيه، ولا يفرِّق بينهما إلا مَن أعمى الله بصيرته عن معرفة أحكامه؛ لا سيما تلك المجمع عليها.
ففي دين الإسلام بمجرد وفاة الإنسان تنتقل ملكية تركته إلى ورثته حتى إنه لو مات رجلٌ ثم لحقه وارث له بعد لحظة، يحسب ميراث ذلك الوارث ثم يقسَّم على ورثته، وبعد أن يتقرر هذا الحق فإذا جاء أحد الورثة فتنازل عن كامل حقه أو عن جزءٍ منه لوارثٍ آخر؛ سواء جاء هذا التنازل مِن أخ لأخته أو العكس، أو مِن مجموع الورثة لأقارب ليس لهم نصيب في الميراث؛ فكل ذلك حسن، ومِن مكارم الأخلاق؛ أما أن يصدر قانون يأخذ مِن هذا ويعطي لذاك؛ فهذه مناقضة لأحكام الله -تعالى-، والعياذ بالله.