شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"الهلالي"... وقضية مساواة المرأة بالرجل في "الميراث!"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ويتضح هذا أكثر: إذا علمنا أن الشريعة الإلهية تختلف عن القانون في أنها تجمع بيْن الحقوق والواجبات؛ بالإضافة إلى المستحبات، وأما القانون فيتحدث عن الجانب الملزم، والذي تلتزم الدولة بفرضه وتطبيقه بيْن الناس، وبالتالي كان بعض المنافحين عن عدم تجريم بعض الجرائم الشرعية كالزنا بالتراضي يعتذرون بأن الزنا جريمة شرعًا وخلقًا، ولكن لا يلزم أن يجرِّمها القانون، ولا يجب أن تلتزم الدولة بمعاقبة مرتكبها، وهذا الكلام مع فساده البيِّن، ومخالفته للشريعة الإلهية والفطرة الإنسانية، وما جرَّه على المجتمعات الإسلامية مِن ويلات، لكن يبقى أنه لم يَمنع مِن أن توجيه خطاب وعظي وأخلاقي يحارب تلك الرذيلة، وإن كان قد جعل الدولة تتنصل مِن تطبيق العقوبة الشرعية عليها، بل ولا حتى بأي نوع عقوبة ولو دون العقوبة الشرعية؛ لأن القاضي لا يملك في الجرائم غير المنصوص عليها قانونًا إلا الحكم بالبراءة.

ومع هذا الفساد البيِّن في هذا الجانب إلا أن الفساد في القانون المقترح أشد؛ إذ إنه يلزم الدولة أن تأخذ مِن حق رجل كتبه الله له وتعطيه لأخته رغمًا عنه، ربما وعنها أيضًا، ولا يمكن أن تترك الدولة ذلك الظلم إلا إذا كان الوالد قبْل أن يتوفى قد كتب وسجَّل أنه يريد هو أن تقسَّم تركته وفق شريعة الإسلام.

ثالثًا: هل مِن مصلحة المرأة أن تعادي أشقاءها الذكور؟

كثيرًا ما يطالِب الهلالي وغيرُه مَن يَدْعون إلى تطبيق الشريعة بالتأني، ومراعاة التدرج وعدم استعجال النتائج حتى يتقبل المجتمع أي تغيير ولو إلى الأحسن، ثم نجدهم في هذا الباب يقفزون قفزًا فوق الواقع المرير المنتشر في كل أنحاء العالم الإسلامي مِن منع المرأة مِن ميراثها المعتبر شرعًا، فنجد الأخ الشقيق الشفيق الذي يمكن في بعض الأحيان أن يقدِّم حياته فداءً لأخته هو هو مَن يتنصل مِن تسليمها ميراثها مِن أبيها، وذلك بما يوحي الشيطان إلى بعضهم مِن أن مال الأب هو مال العائلة وأنه لو انتقل إلى الأخت فمصيره إلى زوجها أو إلى أبنائها الذين يحملون اسم رجل آخر غير أبيهم الذي هو مِن وجهة نظرهم صاحب المال.

وهذا الباطل إنما يتسرب إلى مَن لم يستحضر أن المال مال الله، وأنه في يد كل مالك له أشبه بالعارية، وأن الله هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون، وقد قضى أنه إذا مات ابن آدم انتفت ملكيته عن ماله، وصار تلقائيًّا ملكَ الورثة بالأنصبة الواردة في دين الله -عز وجل-.

ومع هذا فالواقع يقول: إن المرأة عندما تخيَّر بيْن أن تقاضي أشقاءها وبيْن أن ترضى بهضم ميراثها فغالبًا ما ترضى بالظلم محافظة على بقاء علائقها برحمها، وإن كان هذا لا يجعل ظلم أشقائها لها حلالًا، بل لا يجوز مجرد إحراجها لكي تتنازل عن حقها.

فمِن كمال شريعتنا الإسلامية: أنه كما أجمع العلماء على أن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لوجود النص الصريح مِن قوله -تعالى-: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ )، فقد أجمعوا أيضًا على حماية المحسنين والضعفاء مِن النساء وغيرهن مِن أن يتعرضوا لأدنى إحراجٍ معنوي للتنازل عن شيء مِن حقوقهم أخذًا مِن قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (النساء:29) ، وغيرها مِن الأدلة.

قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-: "أَلَا تَرَى إلَى حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَيَاءِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مِنْهُ بِذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ الْآخِذُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ فِيهِ إكْرَاهًا بِسَيْفِ الْحَيَاءِ؛ فَهُوَ كَالْإِكْرَاهِ بِالسَّيْفِ الْحِسِّيِّ، بَلْ كَثِيرُونَ يُقَابِلُونَ هَذَا السَّيْفَ وَيَتَحَمَّلُونَ مِرَارَ جُرْحَهُ، وَلَا يُقَابِلُونَ الْأَوَّلَ خَوْفًا عَلَى مُرُوءَتِهِمْ وَوَجَاهَتِهِمْ الَّتِي يُؤْثِرُهَا الْعُقَلَاءُ، وَيَخَافُونَ عَلَيْهَا أَتَمَّ الْخَوْفِ" (الفتاوى الفقهية الكبرى) .

ولكن في حالة ذلك القانون المشؤوم فإنه مِن المعلوم أنه لا كلام الهلالي "ولا ألف مثله"، ولا ذلك القانون "ولا ألف قانون" سيغيِّر مِن قناعة الرجال بحقهم الشرعي، ولا مِن قناعة النساء أنهن يأكلن بمقتضى هذا القانون الجائر مالًا باطلًا؛ وهذا لما قدَّمناه مِن كون هذا الحكم قطعيًّا ثبوتًا ودلالة.

وبالتالي: فالمرأة التي تزعمون إرادة نفعها إما أن ترد إلى أشقائها حقوقهم الشرعية خوفًا مِن الله وفرارًا مِن أكل مال أشقائها بالباطل، فلا تنتفع مِن قانونكم بشيءٍ، وإما أن ترضى أن تكون هي عند نفسها ظالمة آكلة لمالٍ باطل في دينها (وإن كان مباحًا في شريعة قائد السبسي، والهلالي!).

ولا شك أن أدنى ما يترتب على هذا مِن مفاسد هو: قطعية الرحم، والتدابر والتباغض بيْن الأشقاء، وهذا يدل أن القانون في وادٍ، ومثال الإحسان الاختياري الذي ضربه لنا الهلالي مثلًا في وادٍ آخر! وما أشبه مثله بمثل مَن وصفهم الله -تعالى- بقوله: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة:275) .

وقديمًا أراد الناس بأهوائهم أن يتدخلوا في الإيجار الذي هو في دين الله بيع منفعة عين، ويشترط له أن يؤقت بمدةٍ؛ حتى لا يتحول المستأجر وكأنه قد ملك العين، وهو ما يترتب عليه الكثير مِن المشاحنات بينه وبين مالكٍ لم تزل كل علائقه بالعين، ومع هذا فلا سبيل إلى انتفاعه بها حالًا أو مآلًا؛ فلو أرادا ذلك فليكن بيعًا بمسمى البيع وشروطه، وبالتراضي عليه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية