تأملات في حجة الوداع (19)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
(وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنساء)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في خطبته بعرفة في حجة الوداع: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (رواه مسلم) .
قال الإمام النووي -رحمه الله-: "فيه الحَثُّ على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءتْ أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير مِن التقصير في ذلك... وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ )، وفي بعضها: ( بِأَمَانَةِ اللَّهِ )، وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ) قيل: معناه قوله -تعالى-: ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) (البقرة:229) . وقيل المراد: كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. وقيل المراد: بإباحة الله، والكلمة قوله -تعالى-: ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) (النساء:3) ، وهذا الثالث هو الصحيح، وبالأول قال الخطابي والهروي، وغيرهما، وقيل: المراد بالكلمة: الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا: بالكلمة التي أمر الله -تعالى- بها. والله أعلم.
قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ) قال المازري: قيل: المراد بذلك أن لا يَسْتَخْلِين بالرجال، ولم يُرِد زِنَاهَا؛ لأن ذلك يُوجِب جَلْدَها - -؛ ولأن ذلك حرام مع مَن يَكرهه الزوج ومَن لا يَكرهه، وقال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك عيبًا ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نُهُوا عن ذلك. هذا كلام القاضي، والمختار أن معناه: أن لا يَأْذَنَّ لأحدٍ تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا أو امرأة، أو أحدًا مِن محارم الزوجة؛ فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجلٍ أو امرأةٍ ولا مَحْرَمٍ ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا مَن عَلِمَت أو ظَنَّت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أُذِنَ له في الإذن في ذلك، أو عُرِفَ رضاه بِاطِّراد العُرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وُجِدت قرينةٌ لا يَحِل الدخول ولا الإذن، والله أعلم.
وأما الضرب المُبَرِّح فهو الضرب الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن ضربًا ليس بشديدٍ ولا شاق، والبَرَح: المشقة، والمُبَرِّح بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء.
وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب؛ فإن ضَرَبَها الضربَ المأذون فيه فماتت منه: وَجَبَت ديتُها على عاقلة الضارب، ووَجَبَت الكفارةُ في مَالِه.
قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع" (انتهى مِن شرح صحيح مسلم، 8/ 183 - 184) .
والحديث يتضمن إثبات حق السُّكْنَى، وهو أيضًا مُتَّفَقٌ على صِحَّتِه ووجوبه؛ لأنه جعل البيت للزوج، ولذلك أجمع العلماء على وجوب أن يُسْكِن الزوج زوجتَه، قال الله -سبحانه وتعالى-: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) (الطلاق:6) .
وقد حرم الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الإضرار بالمرأة، فقال -تعالى-: ( وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) (الطلاق:6) ، وإن كان الغرب يستعمل لفظة العنف، مع أن لفظة الإضرار هي اللفظة الصالحة النافعة الجامعة، وأما العنف فقد يدخل فيه الضرب غير المُبَرِّح، وهذا لا يصح إنكاره بعد إثباته في القرآن والسُنَّة، قال -تعالى-: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ) (النساء:34) ، وقيَّده النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديثه بـ"غير المبرح"، وهو الذي لا يَشُقُّ جِلْدًا، ولا يَكْسِر عَظْمًا، ولا يُحدِث شَيْنًا.