تأملات في حجة الوداع (19)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
في هذا الحديث نرى أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أكبر مجمعٍ لأهل الإسلام جمعهم معه -عليه الصلاة والسلام- أوصى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالنساء خيرًا، وذكر ذلك بالأمر بتقوى الله فيهن، فالمعاملة معهن لابد أن يكون المؤمنُ فيها ناظرًا إلى أمر ربه بذلك، فهي علاقة دين وليست دنيا فقط، فلا تنضبط إلا بمراقبة الله وخشيته، ومهما وُضِعَت قوانين ونُظُم وقامت دعوات تزعم إعطاء المرأة حقوقها، فلن تأخذ المرأة حقها الشرعي إلا بتقوى الله، وقد أكثَرَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الوصية بالنساء خيرًا، فقال: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قالت: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر) .
وعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قالت: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وفي رواية الحاكم قال: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِلنِّساءِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلقت مِنْ ضِلَعٍ فَإِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، فَدَارِها تَعِشْ بها ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) أَوَ قَالَ: "غَيْرَهُ". (رواه مسلم) ، يَفْرَك أو يَفْرُك أي: يُبغض.
وعن معاوية بن حيدة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني) . لا تُقبِّح أي: لا تُسْمِعْهَا المكروه، ولا تشتمها، ولا تقل: قَبَّحَكِ اللهُ، ونحو ذلك، وفيه: تحريم ضرب الوجه.
وعن عمرو بن الأحوص الجُشَمي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه سمع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجة الوداع يقول، بعد أن حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثم قال: ( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) . ( عَوَانٍ ): أَسِيرَاتٌ.
وأَكَّدَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حق الضعيفين "اليتيم والمرأة"، في حديث أبي شريح خالد بن عمرو الخزاعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: حَقَّ الْيَتِيمِ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، أي: أُلْحِقُ الحرجَ والإثم على مَن ضَيَّع حَقَّهُما.
وهو مِن أوضح الأدلة على ضرورة رعاية ضعف المرأة التي خَلَقَها اللهُ في القوة دون الرجل، كما قال -تعالى- عن المشركين: ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) (الزخرف:17-18) ، فهي لا تحسن الخصومة ولا تقدر على أخذ حقها، فهذا الضعف استوجب مزيدًا مِن الرعاية والعناية.
وقد اعتنى الإسلام بالمرأة؛ أُمًّا وزوجةً وبنتًا وأُختًا وقَريبةً، ففي كل أحوالها رَغَّبَ الشرعُ في أداء حقها، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ( أُمُّكَ ) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمُّكَ ) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمُّكَ ) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أَبُوكَ ) (متفق عليه) .