شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (20)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الأصل الجامع للدِّين ومحور دوران الشريعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في خطبته بعرفة في حجة الوداع: ( وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي؛ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ) قَالُوا: "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ". فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ( اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ )، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) ، يبيِّن الأصل الجامع لهذا الدين ومحور الدوران لهذه الشريعة: "القرآن العظيم"، وهو سبب الهداية لمَن اعتصم به وتَمَسَّك؛ تحصل به هداية البيان؛ فقد جعل الله آياته بَيِّنَاتٍ مُحْكَمات، وهداية التوفيق والإسعاد لمَن آمن به وعمل بما فيه؛ فإن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يهديه سُبُلَ السلام ويخرجه مِن الظلمات إلى النور بإذنه ويهديه إلى صراطٍ مستقيمٍ.

إن مرجعية القرآن في الشرع هي الأساس الذي تُبنى عليه مصادر الاستدلال والتشريع الأخرى؛ فهي مأخوذة منه، فالسُنَّة: التي تضمنتها أيضًا حجة الوداع في هذه الخطبة العظيمة بقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟) قَالُوا: "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ"، قد دَلَّ عليها القرآن العظيم؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وقال: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء:80) ، وقال -تعالى-: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (النجم:1-5) .

وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء:59) ؛ فجعل -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِن شرط الإيمان بالله واليوم الآخر أن تُرَدَّ مَوَارِد النزاع إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه وإلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سُنَّتِه.

وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (الأحزاب:36) ؛ فوجود الاختيار عند الإنسان بعد بلوغ الكتاب والسُنَّة له ينفي الإيمان عنه، وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (الأحزاب:6) ، وفي قراءة أُبَيّ: "وهو أبٌ لهم".

وهذه الأولوية للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تستلزم تقديمَ كلامِه على كلام كل أحد، وأمره على أمر كل أحد، ونهيه على نهي كل أحد، وحُبه على حب كل أحد، وهديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على هدي كل أحد.

وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ) (النساء:60-61) ؛ فبَيَّن حالَ المنافقين وأنهم يعرضون عن التحاكم إلى الله والرسول -إلى الكتاب والسُنَّة- بإرادتهم التحاكم إلى ما خَالَف ذلك وهو حكم الطاغوت، قال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ؛ فالإيمان والإسلام بتحكيم الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كل مواطن النزاع، في كل مسألة مِن مسائل الإيمان وحادثة مِن حوادث الأحكام، ومنزلة مِن منازل القلوب، وهذه هي الهجرة بالقلب إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ "فكُلُّ مسألةٍ طلعت عليها شمس رسالته، وإلا فاقذف بها في بحار الظلمات، وكُلُّ شاهدٍ عَدَّلَه هذا المُزَكِّي، وإلا فعُدَّه من أهل الريب والتهمات"، وآيات أخرى كثيرة يصعب حصرها في إثبات مرجعية السُنَّة من كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- .

وأما الإجماع: فقد دَلَّ الكتابُ عليه أيضًا؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) ؛ فبَيَّن أن سبيل المؤمنين -وهو ما أجمعوا عليه هو مِن الحق والهدى- لا تجوز مخالفته، وكما قال -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:71) ؛ فمجموع المؤمنين لابُدَّ وأن يكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وآياتٌ كثيرة كلها تدل على أن ما أجمع عليه علماء الأُمَّة في عصرٍ مِن العصور فهو الحق لا مِرْيَة فيه.

الصفحة التالية