تأملات في حجة الوداع (20)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
والقياس الصحيح: أيضًا قد دَلَّ عليه القرآن؛ قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد:25) ؛ ووزن المُعتَقَدات والأقوال والأعمال أعظم وأخطر مِن وزن المَطعُومات والمشروبات وسائر أدوات المعاش، وإنما تُوزَن العقائد والأقوال والأعمال بما ورد في الكتاب والسُنَّة بفهم علماء الأمة -وهو الإجماع-، والمعتبر في ذلك إجماع سلف الأمة مِن الصحابة والتابعين، وتابعيهم خير القرون.
وقد دَلَّ الحديث الشريف على بقاء القرآن في هذه الأمة، وأنه لا يضيع؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرَكَه فينا؛ فهي بِشَارةٌ مُوافِقة لقوله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) .
وتحقيق هذه المرجعية للقرآن والسُّنة هو منهج أهل السُنَّة والجماعة، وهو يشمل الدوائر الثلاث التي تشكِّل شخصية الإنسان، وهي: "العقيدة - والعمل - والسلوك"، وهي التي ذكرها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث جبريل؛ فالإيمان هو العقائد، والإسلام هو العمل -أركانه العبادات، وتتمته في المعاملات-، والإحسان هو السلوك الباطن مع الله، مِن الإخلاص والمراقبة، وسائر أعمال القلوب؛ فإنها مُتَلَازِمة، ويترتب على ذلك السلوك الظاهر مع الناس، مِن الأخلاق -كالصدق والوفاء والصلة والبِرِّ، والإحسان إلى الناس مِن الجيران والمعامَلين والأصحاب؛ فإن ذلك ثمرة الأحوال الباطنة.
وهذه الدوائر الثلاث لا بُدَّ فيها مِن الفعل والترك، والإيجاب والسلب؛ أعني أن العقائد لابد أن يوجد فيها العقائد الإيمانية -مِن الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خير وشره- بكمالِها وتفصيلها، ولا بد أن تُترَك العقائد الفاسدة -مِن الكفر والبدع- ويُرَدّ عليها وتُبْطَل، وهدم الباطل ضروري في إقامة الحق، والعمل لابد فيه مِن وجود العمل الصالح، وترك البدع في العبادات وترك الحرام في المعاملات، وأما السلوك؛ فلابد مِن وجود عبادات القلب -كالحب والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة والإخلاص، والشكر والصبر والرضا، والافتقار إلى الله والاستغناء عمَن سواه، والتضرع إليه والانكسار بيْن يديه، وسائر عبادات القلب-، كما لابد مِن معالجة أمراض القلب -كالكِبْرِ والعُجْب والفخر والخيلاء على الناس والحسد والبغضاء والكراهية-. الشك - العمى
ومِن أَجْمَعِ ما استعاذ منه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن أمراض القلوب الحديث الجامع: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، والقَسْوَةِ، والغَفْلَةِ، والعَيْلَةِ، والذِّلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ، والكُفْرِ، والشِّرْك، والفُسُوقِ، والشِّقاقِ، والنِّفاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّياءِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ، والبَكَمِ، والجُنُونِ، والجُذامِ، والبَرَصِ، وَسَيِّىءِ الأَسْقامِ ) (رواه ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني) .
وكذا ترك الأخلاق الفاسدة في التعامل مع الناس ومُحَارَبَتها -كالكذب وخلف الوعد والغدر والخيانة والفجور في الخصومة والعقوق وقطع الرحم والإساءة إلى الجار والمعامَلين والبغي والعدوان والظلم-.
والواجب أن يكون هذا البناء للإنسان مبنيًّا على الكتاب والسُنَّة وليس على ما يُخالِف ذلك، أو يختار مرجعيات أخرى سواهما؛ فإنه مِن أسباب الضلال.
والاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في مسائل الاعتقاد هو الواجب، وليس علم الكلام، بل كما قال الإمام الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ-: "حُكْمِي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنِّعال ويُطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء مَن تَرَك الكتاب والسُنَّة واشتغل بعلم الكلام!".
وكذلك في مسائل العمل يجب الرجوع إلى الكتاب والسُنَّة وليس إلى أقوال الناس ولو كانوا الأئمة الكبار؛ قال الإمام الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ-: "أجمع المسلمون على أن مَن استبانت له السُّنة لم يكن له أن يَدَعَها لقولِ أحدٍ مِن الناس".
وقال الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ-: "كُلٌّ يُؤخَذ مِن قَولِه ويُترك إلا صاحب هذا القبر -يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -".
وقال الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- في قوله -تعالى-: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) : "أتدري ما الفتنة؟! الفتنة: الشرك؛ لعله إذا ترك بعض أمره -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقع في قلبه شيء مِن الزيغ فيهلك".
وقال الإمام أبو حنيفة -رَحِمَهُ اللهُ-: "دَعُوا قولي لقولِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ".
والتقليد الأعمى كان مِن أكبر الجنايات على الدين، التي حَالَت دون الناس ودون النصوص وفهمها، وصار التمذهب المُتَعَصِّب والدوران حول أقوال المتأخرين التي سَمّوها "معتمد المذهب" ولو خالفت أقوال الإمام نفسه والمحققين مِن علماء مذهبه، الذين يبنون الاستدلال على الكتاب والسُنَّة، بل ولو كانت مخالفة لصريح القرآن والسُنَّة الصحيحة - صار هذا التمذهب سببًا في عصور الانحطاط، ودخول البدع، بل الشرك إلى كثيرٍ مِن المنتسبين إلى الدِّين بسبب تقليدهم الأعمى؛ فقد جَوَّز بعضهم الاستغاثة بالأموات عند الشدائد والمِحَن، وطلب قضاء الحاجات، واتساع الأرزاق! فجوزوا بناءً على كلام المتأخرين أن يقول المستسقون في صلاة الاستسقاء: "اللهم أَغِثْنَا يا رسول الله، اسقنا الغيث ولا تجعلنا مِن المحرومين!".