شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (20)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وجَوَّز بعضُهم أنهم إذا أوشكوا على الغرق أن يستغيثوا برسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ إذ أنه عندهم أنفع مِن الاستغاثة بالله! مع أن المشركين كانوا إذا استغاثوا عند الغرق أخلصوا الدعاء لله: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) (الإسراء:67) ؛ فصار هذا الأمر سببًا في تسهيل قبول الأحكام الوضعية والقوانين الكُفْرِيَّة الأرضية التي وضعها الغرب الكافر بدلًا مِن شريعة الله؛ إذ سهلوا ترك النصوص، وأزالوا هيبة النص في التحكيم بيْن الناس؛ فحين حصلت الهزيمة العسكرية والاحتلال تَمَكَّن الغرب مِن فرض قوانينه، مع أنه عندما حصل الاحتلال أيام التتار غلب المسلمون التتار، وهزموا "الياسق" وأتباعه.

وكذلك الجانب السلوكي والخُلُقي يجب الرجوع فيه إلى النصوص؛ فقد تضمنت أكمل التزكية والتهذيب دون إفراط أو تفريط، وليس الرجوع إلى التصوف الفلسفي الغالي المبني على وحدة الوجود ومساواة الملل والأديان، كما يقول قائلهم:

بل ذاتي لـذاتـي صـلت ولَهَا كان سُجُودِي في كل ركعة!

ويقول:

وإن خَرَّ للأحجارِ في البُدّ عـاكِـفٌ فــلا وجــه لـلإنـكـارِ بالـعصـبيَّـةِ!

ويقول:

وما عقدَ الزِّنَّارَ حُكمًا سوى يدي وإنْ حُلّ بالإقرارِ بي فهـْيَ حَلّتِ

وكذلك التصوف الخُرافي المبني على الدوران حول كلمات مَن سَمّوهم بالمشايخ والأولياء، والتي تضمنت أنواعًا مِن الغلو الفظيع والجهل المُدَمِّر؛ كالذين يعتقدون أن "الدسوقي" هو الذي أشار للنيل أن ينحرف!

ولما كثرت التماسيح في زمنه في النيل وخطف تمساح منها صبيًّا جاءت أُمُّه تستغيث بـ"إبراهيم الدسوقي!"؛ فأرسل رجلًا مِن أتباعه فوقف على شاطئ النيل وقال: "يا معشر التماسيح مَن اختطف منكم صبيًّا فليأتِ به!" -فصارت التماسيح تعرف اللغة العربية، وتعرف إبراهيم الدسوقي وتعرف تلامذته، وتسمع وتطيع له!-؛ فخرج التمساح يمشي مع صاحب الدسوقي حتى وقف به عنده؛ فقال له: "أَخْرِج الصبي"؛ فأخرجه حَيًّا يلعب! - يزعمون له الإحياء والعياذ بالله-، ثم قال للتمساح: "مُت الآن!"؛ فمات مِن ساعته دون أن يضربه حتى بنعل! فالأولياء عندهم يُحيون ويميتون؛ وجَوَّزُوا لذلك أن يُسألوا رزق الأولاد، حتى جَوَّز بعضُهم: "ادِّيني عَيِّل يا سَيِّد"!

صار هذا التصوف الخرافي سببًا لتدمير الأخلاق، وسهل كذلك عند الاحتلال أن تسيطر العادات الغربية والأخلاق السافلة التي تخلق بها المحتلون على النخب في المجتمعات المسلمة، ثم على العَامَّة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولا غرو أن جاءت أبحاث المراكز البحثية الغربية التي تعالِج مشكلة التدين وتبحث أزمة "الصحوة الإسلامية" -فالتدين مشكلة والعمل الإسلامي أزمة لديهم!- تدعم التصوف الفلسفي القائم على وحدة الوجود، وتنشر فكر "جلال الدين الرومي"، و"ابن عربي"، و"ابن الفارض"، وأمثالهم!

وكذا التصوف الخرافي القائم على العودة إلى الموالد والدوران حول القبور واختراع الخزعبلات، كما يتضمن دعم الفلسفة وعلم الكلام، وعقدت المؤتمرات في مُدُن العالم شرقًا وغربًا شمالاً وجنوبًا -ابتداءً مِن جروزني وانتهاءً بساحل العاج- على أرضية واحدة هي التأكيد على مرجعية علم الكلام والتقليد الأعمى والتصوف.

فهل يفيق أهلُ السُنَّة وأبناء الدعوة السلفية ويدركون الخطر، ويتمسكون بسبب الهداية: "كتاب الله"؛ فيتعلمونه تفصيليًّا ويقومون به علمًا وعملًا ودعوةً، وحُكمًا بيْن الناس؟!

وليس الأمرُ بالتَمَنِّي؛ ولكن ما وَقَر في القلب وصَدَّقَه العمل؛ فهل مِن مشمر؟!

الصفحة السابقة