شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اتفاق "أوسلو"... مبادئ للتفاوض لا معاهدة للسلام

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ في سبتمبر 2018م ذكرى مرور ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو بيْن الجانب الفلسطيني برئاسة "ياسر عرفات"، والجانب الإسرائيلي برئاسة رئيس وزراء إسرائيل "إسحاق رابين" برعاية أمريكية، وذلك في العاصمة الأمريكية واشنطن وفي حديقة البيت الأبيض في 13-9-1993م.

بدأ الاتفاق بإعلان لمبادئ تم الاتفاق عليها بيْن الطرفين في وارسو بشأن الترتيبات الانتقالية للحكم الذاتي الفلسطيني، وتتضمن الانسحاب الإسرائيلي مِن غزة وأريحا، ونقل السلطة فيهما لفلسطينيين منتخبين كخطوةٍ تمهيديةٍ، يعقبها مفاوضات ثنائية بيْن الطرفين في غضون خمس سنوات لحل مختلف القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وقد سبق هذا الإعلان اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثلةٍ للشعب الفلسطيني -ممثلة للشعب الفلسطيني لا لدولة فلسطينية-، واعتراف المنظمة بدولة إسرائيل وحقها في الوجود.

وقد بدأت مفاوضات نقل السلطة في يوليو 1994م، وبعد جولات متعددة مِن المفاوضات في القاهرة تم توقيع الاتفاقية في 24-8-1994م في القاهرة بالأحرف الأولى، ثم بصفةٍ نهائيةٍ بعدها في معبر (أرينز) بقطاع غزة، وتنفيذًا للاتفاق وصل ياسر عرفات إلى غزة في 11-7-1994م، وفي 28-9-1995م تم التوقيع على اتفاقية (وارسو 2) في احتفال رسمي في واشنطن، وقد أعقب ذلك في 25-4-1996م موافقة المجلس الوطني الفلسطيني على حذف المواد الداعية إلى القضاء على إسرائيل مِن الميثاق الوطني.

المراد بالحكم الذاتي:

هو نظام طبَّقته بريطانيا في أول الأمر تجاه بلدان الكومنولث بقصد منحها قسطًا مِن إدارة شؤونها بنفسها، وتطور النظام ليعطي هذه البلاد سلطات أوسع شملت عقد الاتفاقات الدولية والتمثيل الدبلوماسي، إلى أن أعلن قيام الكومنولث البريطاني على أساس الاشتراك الحر لأعضائه.

ويختلف هذا النظام -على المستوى الدولي- عن الحكم الذاتي الداخلي الدستوري الذي تلجأ إليه بعض الدول لمنح بعض السلطات لإقليم يعتبر جزءًا مِن الدولة بحيث يمارس حكمًا ذاتيًّا في إطار نظامها الدستوري كإجراءٍ داخليٍ، كوضع الأكراد -مثلًا- في العراق.

ووجه الاختلاف: أن الحكم الذاتي ذا الطابع الدولي يُعد مرحلة في تنظيم علاقات الدولة الأم بمستعمراتها، في حين أن الحكم الذاتي ذا الطبيعة الدستورية إجراء داخلي يطبق في إطار الوحدة الإقليمية، وقد طبق نظام الحكم الذاتي كمرحلةٍ على طريق الاستقلال مع دولٍ، منها: "توجو، والكاميرون، وسنغافورة".

والحكم الذاتي ليس له مفهوم محدد في القانون الدولي، وإنما نشأ وتطور في إطار العلاقات الدولية وجهود الأمم المتحدة لتصفية الأوضاع الاستعمارية في العالم، وقد تضمن تطبيقه أنواعًا مختلفة باختلاف ما يتمتع به كل إقليم مِن سلطات ومدى تدخل الدولة الأم في شؤونه.

في إطار اتفاق "كامب دافيد" للسلام في الشرق الأوسط كانت تسوية المسألة الفلسطينية تتضمن التسوية على مراحل، تبدأ بمرحلةٍ انتقاليةٍ لا تتجاوز مدتها خمس سنوات، بهدف نقل السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة للفلسطينيين نقلًا سلميًّا، على أن تنتخب هذه السلطة مِن بيْن سكان الضفة وغزة انتخابًا حرًّا بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها وإعادة انتشار قوات منها في مواقع أمنية محددة، وبالتالي تحل السلطة الفلسطينية محل الحكم العسكري الإسرائيلي، مع التفاوض حول سلطات ومسؤوليات هذه السلطة مِن جهةٍ، ووضع ترتيبات لضمان الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام مِن جهةٍ أخرى.

وخلال المرحلة الانتقالية تجري مفاوضات لتحديد الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة، ويتم إبرام معاهدة سلام بيْن إسرائيل والأردن بحلول نهاية الفترة الانتقالية.

وقد حاول الرئيس السادات أن يربط دائمًا بيْن تنفيذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وبيْن تنفيذ أحكام اتفاق كامب دافيد الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني، وعليه اتفق على كتابٍ مشتركٍ نص على بدء مفاوضات الحكم الذاتي خلال شهر مِن التصديق على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وقد أصبح هذا الكتاب المشترك واتفاق كامب دافيد هما أساس مباحثات الحكم الذاتي ومرجعيتها.

مفاوضات مصر وإسرائيل حول الحكم الذاتي الفلسطيني:

وهي المفاوضات التي بدأت في 25 مايو 1979م لتحديد ترتيبات انتخاب السلطة الفلسطينية ومناقشة السلطات والمسؤوليات التي تمارسها تلك السلطة، وجرت جولات المفاوضات في مصر وفي إسرائيل بالتناوب، وعقد بعضها خارج البلدين بقصد تحريك المفاوضات، حيث تم عقد 16 اجتماعًا.

وهذه المباحثات في الحقيقة كان محكومًا عليها بالفشل مسبقا، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر فيها للحصول على أكبر قدرٍ ممكنٍ مِن حقوق شعب فلسطين، حيث كانت مصر تمثِّل فيها الفلسطينيين والأردن، وكلاهما رافض تمامًا لمفاوضات السلام مع إسرائيل في ذلك الوقت تضامنًا مع موقف الدول العربية المقاطعة لمصر بسببها؛ مما يعني رفض أي نتائج قد تتوصل إليها هذه المباحثات مهما كانت.

نظرة إسرائيل للحكم الذاتي الفلسطيني:

فسَّرت إسرائيل نصوص كامب دافيد الغامضة حول الحكم الذاتي بما يخدم إستراتيجيتها، وبَنَتْ نظرتها على:

1- الفصل التام بيْن المرحلة الانتقالية ومرحلة الوضع النهائي، وبالتالي تجنب الخوض في أمور الحل الدائم واعتبارها شأنًا مؤجلًا، ومِن ثَمَّ استبعاد مناقشة حق تقرير المصير وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

2- إن الحكم الذاتي يتعلق بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس بالإقليم وأرضه.

3- إن الحكم الذاتي ذو طابع إداري فقط، وليس سياسيًّا.

4- إن السلطات والمسؤوليات التي تتولاها سلطة الحكم الذاتي قاصرة على ما يتم الاتفاق على نقله، وما لا يتم نقله فهو مِن سلطات ومسؤوليات إسرائيل.

5- إن السلطة الفلسطينية تمارس سلطاتها ومسؤولياتها بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل.

6- إن الأمن في الضفة وغزة هو مسؤولية إسرائيل، وتعمل قوات الشرطة المحلية الفلسطينية تحت إشرافها وطبقًا لما تحدده إسرائيل لها مِن مهامٍ.

الصفحة التالية