شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اتفاق "أوسلو"... مبادئ للتفاوض لا معاهدة للسلام

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وقد أوجدت هذه النظرة للحكم الذاتي مِن جانب إسرائيل تصورًا مخالفًا لما كانت تطمح إليه مصر، فأوجدت هوة واسعة بيْن الموقفين.

المرحلة الأولى مِن المباحثات:

بدأت المباحثات في 25 يناير1979م، لكنها توقفتْ في يوليو 1980م عقب إصدار الكنيست الإسرائيلي قانونًا باعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ومقرًّا لرئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا، مما يُعد تصرفًا أحاديًّا مِن جانب إسرائيل يتعارض مع الاتفاق على تأجيل النظر في شأن القدس للمباحثات النهائية، خاصة وأن القدس في قرارات الأمم المتحدة الدولية أرض محتلة لا يحق لإسرائيل ضمها لدولتها.

وكان تقييم هذه المرحلة مِن المفاوضات يشير إلى صعوبة المفاوضات لاختلاف المفاهيم الأساسية حول طبيعة الحكم الذاتي ومداه والهدف منه، حيث كان هناك تقدمًا في مناقشة الترتيبات الانتخابية لسلطة الحكم الذاتي فيما عدا رفض إسرائيل مشاركة سكان القدس الشرقية فيها، واعتراض إسرائيل على عدد أعضاء السلطة، حيث تريده إسرائيل مقتصرًا على عددٍ يساوي المهام الموكلة إليها.

وترى مصر أنها ينبغي أن يتناسب مع عدد سكان الضفة وغزة، بينما وقع الاختلاف حول العديد مِن القضايا، منها: طبيعة ومصدر السلطة، هل السلطة تستمد سلطاتها مِن الشعب الفلسطيني الذي سينتخبها أم أنها تعمل بتفويضٍ مِن إسرائيل؟ وهل للسلطة دور تشريعي أم دورها إداري فقط، ومدى صلاحية إصدار هذه السلطة للتشريعات اللازمة لممارسة مسؤولياتها؟ وحول المشاركة في المياه بما لا يضر الفلسطينيين أو الإسرائيليين، وحول الأرض واحترام الملكيات الخاصة، وكفالة الأمن الداخلي، ووضع الترتيبات للتواصل بيْن قوة الشرطة المحلية وسلطات الأمن الإسرائيلية.

المرحلة الثانية مِن المباحثات:

بدأت هذه المرحلة مِن المباحثات المصرية الإسرائيلية حول الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة وغزة في سبتمبر1981م.

وتميزت هذه المرحلة بالمناقشات المستفيضة التي تعرضت لكثيرٍ مِن التفاصيل والجزئيات، حققت بعض التقدم في المواقف، لكن ظلت الخلافات حول المفاهيم الأساسية تتحكم في مواقف الوفدين المفاوضين.

وقد قامت مصر بإيقاف المفاوضات نهائيًّا في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو 1982م، كما قامت بسحب السفير المصري مِن إسرائيل وقتها.

لقد أثبتت إسرائيل في هذه الفترة أنها لا ترغب في السلام في المنطقة، وأن السلام مع مصر مرحلي ليس إلا؛ لذا فقد استغلت حالة السلام الدائم في الجبهة المصرية لتمارس اعتداءاتها على جيرانها العرب بضم القدس لإسرائيل عام 1981م، وهي أرض فلسطينية محتلة، وبضرب المفاعل العراقي، وبغزو لبنان ودخول بيروت عام 1982م، أي في غضون ثلاث سنوات فقط مِن توقيع معاهدة السلام مع مصر (مِن عام 1979م إلى عام 1982 م)؛ بالإضافة إلى تبني حكومة (مناحم بيجن) القيام بإجراءاتٍ عمليةٍ ترمي إلى الضم الفعلي للضفة الغربية.

تغير أوضاع المنطقة العربية:

شهدت أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات تطوراتٍ كبيرة، بعضها إقليمي وبعضها دولي، كان له انعكاساته الواضحة على المنطقة، منها:

- انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى).

- سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة.

- قيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987م.

- إعلان الأردن في يوليو 1988م فك الروابط القانونية والإدارية مع الضفة الغربية.

- انتهاء المقاطعة العربية لمصر، وعودة مصر لمقعدها في الجامعة العربية.

- غزو العراق للكويت و (حرب الخليج الثانية).

وزاد الأمر سوءًا تأييد ياسر عرفات لغزو العراق للكويت؛ مما أوقعه في عزلةٍ عربيةٍ في أعقاب تحرير الكويت.

وقد وجدت أمريكا في سقوط الاتحاد السوفيتي فرصتها التاريخية في فرض نظامٍ جديدٍ تهيمن عليه، ووجدت في تردي الأوضاع العربية عقب حرب الكويت فرصة ملائمة للضغط على العرب ودفعهم للسلام مع إسرائيل فتقدمت بمبادرة لعقد مؤتمر مدريد.

التحرك السياسي الفلسطيني في الثمانينيات:

قامت منظمة التحرير عند إنشائها في الستينيات -كما في ميثاقها الوطني- على تبني الكفاح المسلح كوسيلةٍ لتحرير فلسطين، وكانت التسوية السياسية التي تدعو إليها المنظمة هي إقامة دولة علمانية في كافة الأراضي الفلسطينية بحدودها تحت الانتداب البريطاني، يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى على السواء في الحقوق والواجبات.

وفي السبعينيات ظهرت الدعوة إلى إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض تتحرر مِن الاحتلال الإسرائيلي للوقوف في وجه الحلول الاستعمارية، وبالتالي اتباع سياسة دولية تمكِّن الشعب الفلسطيني مِن الاعتماد على نفسه وإقامة دولته على أرضه، ولفتح الطريق أمام إشراك منظمة التحرير في المساعي السلمية وافق المجلس الوطني الفلسطيني في 8 يونيو 1974م على فكرة إنشاء سلطة وطنية على أية أجزاء تتحرر مِن الأراضي الفلسطينية باعتبارها خطوة نحو إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي المقابل كانت إسرائيل لا تعترف بالوجود الفلسطيني، ولا تعترف بمنظمة التحرير، وترى في الأردن -التي أعلن ملكها عبد الله (الأول) ضم الضفة الغربية إلى مملكة شرق الأردن بعد حرب 1948م- هي الوطن البديل للفلسطينيين، أو بتعبير آخر للاجئين العرب الذي تركوا أراضيهم في أعقاب حربي: 1948م و1967م، أي أن المشكلة الفلسطينية ما هي إلا مشكلة عرب لاجئين يمكن ضمهم للمملكة الأردنية، بينما كانت أمريكا تشترط على منظمة التحرير للمشاركة في أي مساعٍ دولية أن تعترف بوجود إسرائيل كدولةٍ، وقبول قرار مجلس الأمن رقم: 242، ونبذ العنف، أي عدم القيام بأي عملياتٍ عسكريةٍ ضد إسرائيل، في الوقت الذي كانت تتمسك فيه المنظمة برفض القرار: 242، وتجد صعوبة في التوصل لصيغة تشترك فيها مع الأردن في التفاوض بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية