شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (21)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

عُلُوُّ الله على خَلْقِه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في خطبته بعرفة في حجة الوداع: ( وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي؛ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) ، في أكبر مَجمعٍ من البشر شهد النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفيهم كافة أنواع الناس -مِن العالِم والعامِّي، والأعرابي والمَدَنِيِّ، والعَرَبي والرُّومِي والحَبَشي والفَارِسي- رَفَع النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إصبعه السبابة إلى السماء ونكتها إلى الناس مخاطِبًا ربَّه: ( اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ )؛ ليدلنا دلالة قاطعة على عقيدة أهل الإسلام التي جاء بها كل الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- مِن إثبات عُلُوِّ الله على خَلْقِه، وإثبات فَوْقِيَّتِه على العَالَم؛ فإن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رفع سبابته إلى السماء ليستشهد ربه الذي في السماء على الناس الذين هم في الأرض، كما يفهم هذه الإشارة كل عاقل.

وقد عَلِم فرعون أن موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يقول إن إلهه في السماء فقال: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) (غافر:36-37) ، وقال موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ) (الإسراء:102) .

وإشارة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجة الوداع في هذا الجمع الغفير تدل على أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يكن يتحاشى في جموع الناس الإشارة المبينة عن عُلُوِّ الله على عَرْشِه فوق جميع خَلْقِه؛ بخلاف ما يَدَّعيه أهلُ البِدَع المُنْكِرون لذلك، القائلون: إن اعتقاد أن الله في السماء كُفْرٌ وتَجسيمٌ وتشبيهٌ -تعالى الله عن قولهم!-.

وقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسأل الناس صراحةً: أين الله؟ كما في صحيح مُسْلِم من حديث مُعَاوِيَة بن الحكم السلمي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟"، قَالَ: ( ائْتِنِي بِهَا ) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: ( أَيْنَ اللَّهُ؟ ) قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: ( أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ )؛ فلو كانت إجابة هذا السؤال كُفْرًا -كما يَزعمون!-؛ فكيف يُوقِع رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الجاريةَ في الحَرَج؟! وكيف لا يُبين لنا -ولو مَرَّةً وَاحِدَة- أنه إنما قَبِل منها هذه الإجابة لِضَعْفِ عَقْلِها وقِلَّة عِلْمِها؟! ونحن نتعجب؛ كيف لِمُسْلِمٍ أن يقول هذا الكلام عن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النذير المبين في أمرٍ اعتقاديٍ يتعلق بالله وصفاته إنما أَرسله رَبُّه ليبينه للناس، فلا يبيِّن طيلة بعثته لا في الكتاب ولا في السُنَّة بُطلان ما صَرَّح به ظاهرُ الكتابِ ونَطَقَت به السُنَّة مِن فَوْقِيَّة الله -تعالى- وعُلُوِّه؟!

قال الله -تعالى-: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (الأعلى:1) ، وقال: ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (الرعد:9) ، وقال -تعالى-: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ . أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) (الملك:16-17) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاء؟! ) (متفق عليه) ، وقال -سبحانه-: ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (النحل:50) ، وقال -تعالى-: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (طه:5) ، وجاءت في سبعة مواضع مِن القرآن العظيم.

قال البُخَارِيُّ في صحيحه: "وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ( اسْتَوَى ): عَلَا عَلَى الْعَرْشِ"، ولم يَقُل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا مَرَّةً واحدة ولا يومًا مِن الأيام أنها ليستْ على ظاهرها -بمعنى العُلُوّ-، أو أنها بمعنى الاستيلاء، أو لا تعتقدوا الفوقية؛ لأن فيها إثبات الجهة -وهو كُفْرٌ-، أو لأن الآيات ظاهرها التحيز -وهو كُفْرٌ- أو التجسيم -وهو كُفْرٌ-؛ بل فَسَّرَها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأثبت الفوقية فقال: ( وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ) (حديث حسن، أخرجه ابن خزيمة والبيهقي، وصححه الألباني موقوفًا على ابن مسعود) ، وقال في الحديث الذي رواه مُسْلِمٌ في صحيحه: ( اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ... ).

الصفحة التالية