تأملات في حجة الوداع (21)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وهذه المسألة -وهي عُلُوُّ اللهِ على خَلْقِه وأنه بَائِنٌ مِن خَلْقِه كما أجمع عليها السلف- عليها أكثر مِن أَلف دليل من الكِتاب والسُنَّة -دون مُبَالَغة-، وقد استقصى كثير منها ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- في "الصواعق المُرْسَلة"، والذهبي -رَحِمَهُ اللهُ- في "العُلُوّ".
ولَم تَزَل فطرة الناس على ذلك، ورفض عقيدة الحُلُول أو الاتحاد، بل قد كَفَّر اللهُ النصارى لما قالو بالحلول أو الاتحاد، على اختلاف مَذَاهِبِهم في المَسِيح -عَلَيْهِ السَّلَامُ- والرُّوح القدس جبريل -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فكيف بمن يقول بالحلول في جميع المخلوقات أو الاتحاد بها؟!
فإن مِن أخطر العقائد التي تُخالِف عقيدة الرسل جميعًا هذه العقيدة الفاسدة مِن أن الله في كل مكان، رغم أن كثيرًا مِن الناس يُطلِقون العبارةَ ولا يَقصِدون حقيقة المعنى؛ إلا أن كثيرًا من القائلين بالحلول أو الاتحاد يُعدون من أئمة التصوف الفلسفي، والذي لا يزال الجدلُ دائرًا حولَه وحولَ عِبَارات المُنَظِّرين له، وتأويلها بما لو صَحَّ تأويلُها لَصَحَّ التأويل لأنواع الكفار كلهم!
وهذا التصوف الفلسفي يشجعه أعداء الإسلام، ويسعون إلى نشر تراثه في العالَم: "كجلال الدين الرُّومي، وابن عربي، وابن الفارِض"، ولو تَأَمَّلَ مُتَأَمِّلٌ كلماتهم الفظيعة؛ لوجد أنها لا يقبلها عقلٌ سليم، فضلًا عن أن يقبلها مُسلمٌ أو مُؤمِن!
فاسمع إلى ما يقوله ابن الفارِض في التائية -مُتَكَلِّمًا عن الذات الإلهية:
لـهـا صـــلـواتي بـالـمقـامِ أُقـيـمـهـا وأشــهـــدُ فـيــهـا أنَّـهـا لي صــلَّـتِ
كـــلانا مــُصَـلٍّ واحـدٌ ســاجــدٌ إلـى حـقيـقـتـهِ بالجـمعِ فـي كـلِّ سـجــدةِ
وما كان لي صلَّى سوايَ، ولم تكنْ صـلاتي لغـيـري في أدا كـلِّ ركـعـةِ
ويقول:
ومـا زلـتُ إيَّاهـا وإيَّايَ لم تزلْ ولا فرقَ، بل ذاتي لِذاتي أحبَّتِ
إلـيَّ رسولاً كـنـت مِنِّي مُرسَلًا وذاتـي بآيـاتي عـليَّ اسـتـدلّـتِ
ويقول في بيان وحدة الأديان والتسوية بين عابد الوثن والمُوَحِّد -وهو الدين العَالَمِيِّ الجديد الذي يُبَشِّر به الغرب-:
وإنْ خــرَّ لـلأحـجـارِ فـي البُدِّ عـاكـفٌ فــلا وَجْــهَ لــلإنــكـارِ بــالـعــصـبــيَّـةِ
وإنْ عـبـدَ النَّارَ المجـوسُ وما انطفتْ كـمـا جـاءَ في الأخـبارِ في ألفِ حِـجّةِ
فما قصدوا غـيري وإنْ كانَ قصدُهـمْ سِــوايَ وإنْ لـمْ يُـظهِـروا عَـقـدَ نـيـَّـةِ
ويقول:
فـبي مجـلسُ الأذكارِ سمعُ مُطالـعٍ وفـي حـانةِ الخـمّارِ عينُ طـليـعةِ
وما عقدَ الزِّنَّار حُكمًا سـوى يـدي وإنْ حُلَّ بالإقرارِ بـي فـهيَ حَـلَّتِ
وإنْ نارَ بالتَّنزيلِ مِحرابُ مـسجــدٍ فـما بارَ بالإنـجيـلِ هـيـكـلُ بـيـعـةِ
ومِن ذلك قول الحلاج: "لا إله إلا الله، ما في الجُبَّة إلا الله!". يعنى نفسه -والعياذ بالله!-.
وقول أبي اليزيد البسطامي: "سُبْحَانِي سُبْحَانِي، ما أعظم شأني!"، وغير ذلك مِن فضائح القائلين بوحدة الوجود أو بالحلول، وهذه حقيقة قول مَن يقول: إن الله في كل مكان!
ورغم أن الأشاعرة يُنكِرون القولَ بأن الله في كل مكان، بل ينفون عن الله الزمان والمكان -ولا شك أن هذا أهون مِن القول بالحلول-، لكن لما حصل التزاوج مع التصوف الفلسفي تَوَلَّدَت أقوال الحلول والاتحاد لبعض المُنْتَسِبين إلى المذهب، ومع قِلَّة العلم وصعوبة الألفاظ والعبارات اختلط الحَابِل بالنَّابِل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وكل هذه العقائد الفاسدة يُبْطِلها اعتقاد أهل الإسلام بأن الله فَوقَ عرشه، بَائِنٌ مِن خَلْقِه، وإن كان يجب أن يُصان هذا القول المبين عن الظنون الفاسدة والأفكار الخاطئة، التي حين تَصَوَّرَ البعضُ أنها ظاهر النصوص اتَّهَموا مَن يقولُ بالحقِّ بأنه حَشوي مُجَسِّم مُشَبِّه!
هذه الظنون الكاذبة مثل مَن يَظن أن السماء تَحْوِيه سبحانه! كيف وهو قَد وَسِع كُرْسِيُّه السماوات والأرض، والكُرْسِي إلى جانب العرش كحلقةٍ في فَلَاةٍ، والله -عَزَّ وَجَلَّ- فوق عرشه، وهو أكبر مِن خَلْقِه جميعًا؛ الله أكبر.
وإنما معنى أن الله في السماء: أنه في العُلُوِّ، أو فوق السماء المخلوقة؛ لأن العرش سَقْفٌ لجميع المخلوقات، فهو سماءٌ لها.
وكذا مِن الظنون الكاذبة أن السماء تُقِلُّه أو تُظِلُّه؛ بل العَرْش مَحْمُولٌ بقُدرة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وملائكةُ اللهِ المخلوقون يحملون العرشَ بإقدار الله لهم على ذلك، فهو خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم -ومنهم ملائكته حَمَلَة عَرْشِه-.
هذه المسألة نقطة فاصلة بين عقيدة السلف وبين الفِرَق المُخَالِفة لأهل السُنَّة، وقد تكلم السلفُ كثيرًا عن هذه المسألة -مسألة العُلُوِّ والاستواء-، وكَثُرَ الكلامُ فيها عبْر الزمان؛ ولا أَسْلَمَ ولا أعلمَ ولا أحكمَ مِن طريقة إثبات النصوص دالةً على المعاني اللائقة بجَلَالِ اللهِ تعالى وعَظَمَتِه، النافية للتمثيل والتشبيه، والتحريف والتعطيل والتكييف؛ فالله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) .