تأملات في حجة الوداع (22)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في سياق حجة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ذكر خطبة يوم عَرَفَة قال: "ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ" (رواه مسلم) .
في هذا الحديث الجمع بين الظهر والعصر، والقصر فيهما بعَرَفة، بأذانٍ واحدٍ وإقامتين.
وهل هذا الجمع والقصر للنسك أم للسفر؟ قولان للعلماء:
الجمهور على أنه للسَّفَر؛ فعلى قولهم فإن مَن كان دُون مسافة القصر مِن عَرَفَة فعليه أن يُتِمَّ، وأن يُصَلِّي كل صلاةٍ في وقتها.
ومما يُقَوِّي قول أبي حنيفة -رَحِمَهُ اللهُ- بأنه للنُّسُك لا للسَّفَر: أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يأمر أحدًا مِن أهل مَكَّة بأن يُتِمَّ الصلاة أو يصلي كل صلاة في وقتها، وهم -على قول الجمهور- على مسافة دون مسافة القصر؛ لأنها عندهم أربعة بُرَد ونحوها، وإن كان الصحيح أنها أيام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان الطريق إليها يزيد على ثلاثة فراسخ، وهو الصحيح في مسافة القصر؛ لحديث أنسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في صحيح مسلم: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ -شُعْبَةُ الشَّاكُّ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) .
وفي غير مُسْلِمٍ -كما عند البيهقي في السُنَن الكبرى- أن أَنَسًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أجاب بهذا الحديث لما سُئل عن قصر الصلاة بالنسبة لمَن خرج من الكوفة إلى البصرة، ولأجل الشك وضعف رواية سعيد بن منصور: "كان إذا خرج فرسخًا قَصَر الصلاة"؛ قلنا: إن الحدَّ هو ثلاثة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، ومسافة القصر على ذلك: سبعة وعشرون كيلو مترًا تقريبًا، والمسافة بين عَرَفَة ومَكَّة أيام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانت قبل امتداد مَكَّة نحو ثلاثين كيلو مترًا، أما الآن فلا، ومع ذلك فلا يزال قول أبي حنيفة أقوى؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يأمر أحدًا -مِن أهل البوادي حول الحَرَم وعلى طريق الطائف وغيرها- ممَن هو على مسافةٍ أقل مِن مسافة القصر مِن عَرَفَة أن يُتِمَّ، وأن يُصَلِّي كل صلاةٍ في وقتها؛ فالصحيح -إن شاء الله- أن الجمع والقصر للنُّسُك؛ فيَجمع ويقصر كل أهلِ المَوقِف.
ولم يُصَلِّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جمعة، مع أن يوم عرفة كان جمعة، وإنما صَلَّاها ظهرًا، ولم يجهر فيها بالقراءة، وأعلَمَ الصحابة أنه يصلي الظهر بهذا أو بغيره، حتى جَزَم جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وغيرُه بذلك.
ولم يكن -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلي الجمعة في السفر قط؛ فليس على جماعة المسافرين أن يُصَلُّوا جمعة، إلا لو حضروا الجمعة في مِصرٍ مِن الأمصار فيُصَلُّون تَبَعًا للناس لا استقلالًا.
وفي الحديث: أنه لا يُشرع صلاة شيء بين الصلاتين المجموعتين -لا نافلة راتبة ولا غيرها-؛ لقول جابر -رضي الله عنه-: "وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"، بل صلاة نافلة بينهما تَقْطَعُ معنى الجمع على الصحيح، وهو قول جماهير أهل العلم، أما الجنازة فلا تَقْطَع على الصحيح.
وفي عدم إخبار النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمجموع مَن كان معه أنه يجمع الظهر والعصر، دليلٌ على عدم اشتراط نية الجمع عند الإحرام بالأُولى، كما يشترطه بعض أهل العلم، بل له أن ينوي بعد انقضاء الأُولى طالما لم يطل الفصل بين الصلاتين، حتى يمكنه الجمع ويتحقق معناه ومُسَمَّاه.
وفي قوله: "ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ": دليلٌ على استحباب الوقوف قرب الصخرات المُفْترشات أسفل جبل الرحمة، دون صعود الجبل، لتكَلُّفِ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الانتقال إلى هذا المكان مع كون عَرَفة كلها مَوْقِف، وقد مَرَّ عليها وقال: ( وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ) (رواه مسلم) ؛ فدَلَّ على قصد الوقوف في هذا المكان واستحبابه، مع جواز الوقوف في أي بقعةٍ مِن أرض عَرَفَة.
وفي فِعْلِ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الوقوف بعد الزوال، مع أنه وصل عرفة ضحىً قبل الزوال؛ دليلٌ على أن المشروع هو بدء الوقوف بعد الزوال، وإن كان الإجزاء بأي لحظةٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ مِن يوم التاسع وليلة العاشر من ذي الحجة، فيصح الوقوف مِن فجر يوم التاسع إلى فجر يوم العاشر، فمَن أدرك لحظةً مِن ذلك فقد صَحَّ حَجُّه؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا -يعني صلاة الفجر يوم النحر بمزدلفة-، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
وفي استمرار وقوفه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع الذِّكْرِ والدُّعَاء دليلٌ على أنه ينبغي لكل حاج أن ينشغل مع نفسه بالذكر والدعاء، وليس الدعاء الجماعي كما يفعله البعض، ولو كان لا يصل إلى درجة البدعة -إن شاء الله-، لكن الأفضل أن يكون الإنسان منفردًا منشغلًا بحاله وشأنه، مُتذكرًا ذنوبه، مستغفرًا ربه منها، متفرغًا متضرعًا، منكسرًا ذليلًا.
وهذا الوقوف هو ركن الحج الأعظم؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( الْحَجُّ عَرَفَةُ ) (رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني) .
وقد بَيَّنَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فضيلة يوم عَرَفة في أحاديث كثيرة: