تأملات في حجة الوداع (22)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فهو -ويوم النحر- أفضل أيام العَشْر التي قال عنها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ )، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ : ( وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) (رواه البخاري والترمذي، واللفظ له) .
وروى ابن المبارك بسنده عن أنس بن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: وَقَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَفَاتٍ، وَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تؤوب -أي: تَغْرُب-، فَقَالَ: ( يَا بِلالُ، أَنْصِتِ لِيَ النَّاسَ )، فَقَامَ بِلالٌ، فَقال: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَنَصَتَ النَّاسُ، فَقال: ( مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَأَقْرَانِي مِنْ رَبِّيَ السَّلامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ )؛ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَنَا خَاصٌّ؟ فَقَالَ: ( هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى بَعْدَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ" (أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني) .
وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ) (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم، وصححه الألباني) ، والحديث يدل على استحباب أن يكون الإنسان في هيئةٍ متواضعةٍ، فالأشعث: الذي لم يُسَرِّح رأسه، والأغبر: الذي أصابه الغبار، وكون الإنسان في صفة الإحرام في هيئة الانكسار والتواضع لله -عَزَّ وَجَلَّ- سبب مِن أعظم أسباب المغفرة والمُبَاهَاه من الله -عَزَّ وَجَلَّ- لملائكته.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يقول: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .
وعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ) (رواه مسلم) ، وزاد رزين في جامِعِه: ( اشْهَدُوا مَلائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم )، وفي هذا الحديث دليل على دنو الرب -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عشية عرفة، وهذا النزول والدنو خاص بهذا اليوم العظيم، وفي قوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ( مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ) دليلٌ على أهمية الإخلاص، وعدم المباهاة أمام الناس؛ فيكون العبد مُخْلِصًا لله -عَزَّ وَجَلَّ- يريد مرضاة الله ورضوانه، لا يريد الرياء ولا السمعة.