اتفاق (غزة - أريحا) أولًا
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نجحت أمريكا في أعقاب حرب تحرير الكويت (حرب الخليج الثانية) في دفع أطراف النزاع العربي الإسرائيلي إلى الدخول في مفاوضاتٍ للسلام الشامل.
وفي 30 أكتوبر 1991م كان افتتاح مؤتمر (مدريد) للسلام في الشرق الأوسط في أسبانيا بحضور أطراف النزاع، ومشاركة أمريكا وروسيا، وممثل عن الجماعة الأوروبية، وفي شهر ديسمبر التالي بدأت جولات المفاوضات المباشرة بيْن الأطراف في واشنطن، وكان الهدف مِن مفاوضات إسرائيل مع الجانب الفلسطيني الوصول إلى اتفاقٍ بيْن إسرائيل والفلسطينيين على مبادئ لمرحلة أولى انتقالية مِن الحكم الذاتي الفلسطيني لمدةٍ محددةٍ، تتولى فيها سلطة فلسطينية منتخبة إدارة شؤون قطاع غزة والضفة الغربية، يعقبها مرحلة ثانية نهائية مِن المفاوضات لحل كل قضايا النزاع بين الطرفين.
وقد امتدت جولات مباحثات المرحلة الأولى الانتقالية مدة عامين، متجاوزة الفترة المحددة لها، وهو أكتوبر 1992م، دون أن تحقق الغرض منها، وقد تخلل هذين العامين إجراء الانتخابات الرئاسية في أمريكا، وحل (بل كلينتون) رئيسًا لأمريكا بدلًا مِن (جورج بوش)، وأجريت الانتخابات التشريعية في إسرائيل، وحلت حكومة إسحاق رابين (حكومة حزب العمل)، المشكّلة مِن ائتلاف حزبي: العمل، وحزب (شاس) الديني، محل حكومة شامير اليمينية المتطرفة (حكومة الليكود) في إسرائيل.
وقد أظهرت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية خلال فترة حكم الليكود تراجع إسرائيل عن كثيرٍ مِن مكتسبات مفاوضات الحكم الذاتي التي أجرتها مصر مع إسرائيل عقب توقيع معاهدة كامب دافيد عام 1979م، بل وكشفت عن نية شامير في جعل الحكم الذاتي الفلسطيني هو نهاية المطاف للقضية الفلسطينية، مع إفراغ هذا الحكم الذاتي مِن أي مضمونٍ سياسيٍ، وقصره على الطابع الإداري وبسط السيطرة الإسرائيلية عليها؛ لذا لم تبشِّر هذه المرحلة مِن المفاوضات بأي تقدم.
وفي المفاوضات التالية بعد تولي حكومة رابين تحسَّن الوضع نسبيًّا، ولكن لم يتضمن المشروع الإسرائيلي سوى عددٍ ضئيلٍ مِن التحسينات؛ لذا لم تبدو بارقة أمل في الوصول إلى اتفاق.
دور منظمة التحرير الخفي في مفاوضات واشنطن:
في الوقت التي اشترطت حكومة شامير عدم مشاركة الفلسطينيين في المفاوضات بوفدٍ فلسطينيٍ مستقل بذاته، وإنما تكون المشاركة مِن خلال وفد أردني فلسطيني، كما رفضت مشاركة فلسطيني القدس الشرقية في انتخاب السلطة الفلسطينية أو المشاركة في هذه السلطة؛ هذا فضلًا عن عدم مشاركة منظمة التحرير في المفاوضات، وهو ما اضطرت المنظمة إلى قبوله على مضضٍ، على أمل تغير الأوضاع أثناء المفاوضات، وهذا ما كان.
ثم جاءتْ مفاوضات حكومة حزب العمل بدون شروطٍ مسبقةٍ، فلم تتمسك بوفدٍ مشترك أردني فلسطيني، بل تفاوضت مع فلسطينيين مفوضين مِن سكان الأراضي المحتلة فلسطيني، سواء كانوا ضمن وفدٍ مشتركٍ أو مستقلين.
وخلال المفاوضات كانت منظمة التحرير موجودة على مائدة المفاوضات عبْر الاتصالات بواسطة أجهزة التليفون والفاكس مِن تونس -حيث مقر المنظمة بعد خروجها مِن بيروت عام 1982م-، ولم تعد المنظمة تخفي تردد أعضاء وفد المفاوضات على تونس في أعقاب كل جولة، بل استقبل عرفات الوفد ولجانه علنًا في القاهرة وفي عمان.
منظمة التحرير طرف في مفاوضات أوسلو:
وفي عهد مفاوضات حكومة رابين تمت الموافقة على اشتراك فلسطينيين مِن القدس الشرقية في المفاوضات، كما بدأت الاتصالات واللقاءات السرية بيْن شخصيات إسرائيلية غير رسمية وبيْن مسؤولين مِن المنظمة رتبتها النرويج، إلى أن أعطى رابين موافقته على مواصلة هذه المفاوضات السرية التي انتهت إلى إعداد إعلان المبادئ، ثم الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ولعل ذلك كان عن قناعة رابين أن الموقف في مفاوضات واشنطن لن يتحسن إلا بإشراك منظمة التحرير في المفاوضات وتغير مواقفها وتقديمها لتنازلات، وبالتالي تتغير مواقف المفاوضين الفلسطينيين إلى الحد الذي يمكن أن تقبله إسرائيل.
الإعلان عن اتفاق أوسلو:
ولم يكن الوفد الفلسطيني في واشنطن على علم بأن هناك مفاوضات أخرى سرية بيْن إسرائيل والفلسطينيين قد بدأت في (أوسلو)، وأن هناك قدرًا كبيرًا مِن التنازلات قد تم تقديمه فيها؛ لذا كانت المفاجأة كبيرة عندما أعلن في 13 سبتمبر عام 1993م عن الوصول في أوسلو إلى اتفاقٍ بين الطرفين على مبادئ للفترة الانتقالية، وأقيم احتفال التوقيع على الاتفاق في حديقة البيت الأبيض بمشاركة عرفات ورابين، وبحضور الكثير مِن زعماء العالم والشخصيات العالمية.
دور النرويج ومصر في اتفاق "غزة - أريحا":
كان النرويجي (تيري لارسين) مدير معهد (فافو) قد أبدى في 3 ديسمبر 1992م استعداده لتسهيل الاتصال بيْن الإسرائيليين والفلسطينيين بعيدًا عن أجواء المفاوضات الرسمية التي كانت تجري في واشنطن، وبدأ الإعداد بلقاء أولي في لندن، ثم في النرويج، وبعد مقابلة في تونس وافق عرفات على استضافة النرويج للمباحثات السرية، لتبدأ اجتماعات خلال شهر يناير 1993م وما بعده.
وقد أحيط بها وزير خارجية إسرائيل (شيمون بيريز) علمًا، وأحاطت منظمة التحرير المسئولين المصريين بها علمًا؛ إذ كانت مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي لها علاقات مع إسرائيل وتحتفظ بعلاقاتٍ مع منظمة التحرير، وقد ساعد الدور المصري على إنجاح المفاوضات وتقريب وجهات النظر بيْن الطرفين.