شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اتفاق (غزة - أريحا) أولًا

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

بدأت المفاوضات مقتصرة على تنفيذ الحكم الذاتي في قطاع غزة أولًا، وفي زيارة لـ(بيريز) لمصر في أبريل 1993م، وافق "بيريز" على اقتراح مِن مبارك ببدء تنفيذ الحكم الذاتي في غزة وفي أريحا -في الضفة الغربية- معًا إعمالًا لمبدأ وحدة الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة، وهو ما وافق عليه عرفات عندما عرض عليه مبارك الأمر، وبدأت جولات جديدة مِن المفاوضات في أوسلو في 30 مايو، حيث أعدت وثيقة للاتفاق، وعرض الأمر على "رابين" الذي وافق على مواصلة المفاوضات، وقام بزيارة مصر ومقابلة مبارك في الإسماعيلية، أعقب ذلك أكثر مِن زيارة للدكتور أسامة الباز لإسرائيل، ومِن بعده الدكتور مصطفى خليل للتغلب على صعوباتٍ في المفاوضات.

وفي 18 أغسطس دارتْ مفاوضات طويلة عن طريق خط تليفوني بيْن دار الضيافة في العاصمة السويدية وبيْن مقر عرفات في تونس بيْن الجانبين: الإسرائيلي والفلسطيني بوساطة نرويجية مِن منتصف الليل إلى ما بعد الخامسة صباحًا، وتم التوصل لاتفاقٍ.

ويذكر بيريز في كتابه: (الشرق الأوسط الجديد): "أنه لم يكن مِن الصعب عليه أن يدرك أن صنع القرار الفلسطيني في يد عرفات؛ لذا فمِن مصلحة إسرائيل أن تلعب منظمة التحرير دورًا في العملية السياسية".

وقد استمر الدور المصري الفعال طوال مفاوضات طابا الثانية التي تلت توقيع إعلان المبادئ حتى التوقيع على اتفاقية القاهرة في 24 أغسطس 1994م بالأحرف الأولى في فندق سميراميس بالقاهرة، ثم التوقيع عليها بصفةٍ نهائيةٍ في معبر (أرينز) بقطاع غزة.

وفي الجملة فاتفاق أوسلو عمل فلسطيني بحت، وتدخل مصر فيه اقتصر على تقديم المشورة للفلسطينيين عند طلبها، وتذليل عقبات وصعوبات التفاوض مع الإسرائيليين، وبالجملة فقد أتاح الاتفاق لمنظمة التحرير موضع قدم تمارس منه السلطة داخل الأراضي الفلسطينية.

لماذا نجحتْ مفاوضات "أوسلو" في الوصول إلى اتفاق؟

بصرف النظر عما تم الاتفاق عليه في "أوسلو" فإن الوصول إلى اتفاق عده الكثيرون نجاحًا غير متوقع كان وراءه:

1- اطلاع المفاوضين في أوسلو على الصورة الكاملة لما وصلت إليه المفاوضات في واشنطن، وبالتالي إمكانية البدء مِن حيث انتهت والبناء عليه.

2- عجز المفاوضين في واشنطن عن تقديم تنازلات؛ بسبب تشدد تعليمات قيادتيهما لهما، بينما تولت القيادتان التفاوض مباشرة في مفاوضات أوسلو؛ لذا سهل تقديم التنازلات اللازمة مِن أجل الوصول لاتفاق.

3- حالة التوتر التي صاحبت مفاوضات واشنطن العلنية والتي حرص أثناءها وفدا المفاوضات على نقل ما يدور في قاعات التفاوض إلى وسائل الإعلام المختلفة، حتى تحول الأمر إلى سجالٍ بيْن الطرفين على شاشات التليفزيون، وفي المؤتمرات الصحفية بصورةٍ علنيةٍ موازية لما يجري داخل الغرف المغلقة، بينما لازم الهدوء التام مفاوضات أوسلو؛ مما مهَّد الطريق للمفاوضين على اتخاذ القرارات اللازمة في هدوءٍ وبدون ضغوطٍ خارجيةٍ.

4- قيام عرفات بتقديم التنازلات وعقد الاتفاق بصفته رئيسًا لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للشعب الفلسطيني، وبصورةٍ تعد فردية دون الرجوع إلى المجلس الوطني الفلسطيني أو استشارته، متحملًا بذلك كل المسؤولية عن عقد هذا الاتفاق، كما هي عادة الرؤساء العرب وقادة دول العالم الثالث.

والغالب أن ما قدَّمه عرفات كان وراءه الحالة النفسية التي كان عليها عرفات والضغوط التي مورست عليه، وحالة التوتر التي سادت الأراضي الفلسطينية مع طول فترة المفاوضات ورغبة عرفات في نجاح المفاوضات أملًا في إنهاء معاناة الفلسطينيين المتصاعدة، إلى جانب حسن ظنه بوعود أمريكا الراعية للمفاوضات.

لماذا غزة وأريحا؟!

في الواقع أن إسرائيل كانت ترغب في الانسحاب مِن غزة؛ بسبب الأعباء الأمنية الباهظة التي تتحملها بسبب احتلالها لها دون عائدٍ اقتصادي أو إستراتيجي يبرر الاحتفاظ بها، خاصة مع كثافتها السكانية الفلسطينية العالية -نحو 1.5 مليون فلسطيني- التي تجعل مِن الصعب ضمها لإسرائيل، إلى جانب ضعف اقتصادها.

ووافقت إسرائيل على إضافة أريحا لأمورٍ، منها:

- أن أريحا ليستْ بعيدة عن القدس فهي مغرية للفلسطينيين، وهي قريبة كذلك مِن نهر الأردن؛ مما يفتح الباب لإقامة اتحاد بيْن الأردنيين والفلسطينيين في المستقبل.

- أن أريحا خالية مِن المستوطنات الإسرائيلية.

هل يتحمل السادات مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع؟

قال السفير "طاهر شاش" في كتابه: ("المواجهة والسلام في الشرق الأوسط"، ط. دار الشروق الثانية عام 1996م، ص 115-116): "والواقع أن قبول منظمة التحرير الفلسطينية بعد سنوات التفاوض مع إسرائيل على أسسٍ لا تختلف عما تضمنتها اتفاقيات كامب دافيد، وموافقة الأطراف العربية على الاشتراك في مؤتمر مدريد ومفاوضاته قد أعادا الاعتبار لأنور السادات لدى كثيرٍ مِن المصريين والعرب، بل إن الكثيرين منهم بدؤوا يتساءلون عن مدى سلامة المواقف الرافضة والتي أضاعت على الأطراف العربية أكثر مِن عشر سنوات. ولا يزال الجدل قائمًا بيْن أنصار السادات وخصومه، فمِن قائل بأن العرب برفضهم اتفاقات كامب دافيد هم المسئولون عن ذلك الوضع، ولو كانوا قبلوا المشاركة في عملية السلام لكانوا قد استردوا أراضيهم وحقوقهم، ولو كانت منظمة التحرير قد قبلت خطة الحكم الذاتي في حينها لكانت قد بدأت وأنهت مفاوضات الوضع النهائي، وكان الشعب الفلسطيني قد نال حقوقه، ولكن الجميع أضاعوا سنواتٍ طويلة قاسوا خلالها الكثير مِن المآسي ثم عادوا يقبلون ما كانوا يرفضونه وربما أقل منه!

وعلى العكس: فإن مِن الناس مَن يحمِّل السادات مسؤولية الانفراد بقراراته وتصرفاته التي أخرجت مصر مِن المعركة، وأدت إلى ما أدت إليه مِن تدهور الموقف العربي، ولو ظل التضامن والتعاون والتنسيق بيْن العرب على نفس المستوى الذي دخلوا به حرب أكتوبر لكانوا استعادوا حقوقهم المسلوبة كاملة عقب الحرب. وأيًّا كان الحكم على سياسة السادات؛ فلا شك في أنها أدت إلى تحريك الموقف الدولي لتسوية النزاع في الشرق الأوسط فتتابعت المساعي إلى أن طرحت مبادرة السلام الحالية".

نظرة على الاتفاق:

الصفحة السابقة الصفحة التالية