من لي بهمة عالية؟؟
صوت السلف • التزكية
-أما من جعل الدنيا غايةً له يطلب فيها سعادته ومُناه شقي بها ولابد، كما قال العلماء: "من أحبّ شيئاً لغير الله عُذِّبَ به ولا بد" ، فمن أحبّ سيارةً أو امرأة أو عقاراً أو أي شيء من حطام الدنيا الزائل، ولم يتخذه بلاغاً إلى الآخرة شقي به ولابد، ربما ظن واهماً أنه وجد غايته وسعادته، ولكن سرعان ما يشقى بعد تحصيله ويتعس به، وربما أصابته الآفات والأمراض جرّاء طلب الدنيا والخوف من زوالها، لأنها في ذاتها بكل ما فيها من زخارف ومتاع لا تُسعدُ أصحابها حقيقة؛ لأن السعادةَ الحقيقية سعادةُ القلبِ وسكونه وطمأنينتُه ورضاه، سواء أقبلت الدنيا أو أدبرت ولا يكون هذا إلا من عند الله وحده ولا يتحقق على التمام إلا بطاعته وذكره كما قال -تعالى-: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)، وقال: (وأنه هو أضحك وأبكى) (النجم:43)، وأما متاع الدنيا فمتاع ظاهر زائل كما قال -تعالى-: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الأخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ) (الرعد:26) كلما نال أهلُها لوناً منه سرعان ما يصابوا بالملل والضيق منه ليبحثوا عن ألوانٍ أخرى من المتاع والشهوات وسُكْرٍ جديد لئلا يستفيق القلبُ إلى حقيقة تعاسته ونصبه وحرمانه من رصيد السعادة الحقيقية (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 124)، وربما أبعدهم السعي واللهث وراء الدنيا بعداً سحيقاً عن طريق السعادة الحقيقية.
أما صاحب الهمة العالية لم يرضَ عن الله عوضاً، ولا يرضى بسوى الله -عز وجل- مطلباً وغاية، وجّهَ القلب بكليته إلى الله -عز وجل-، وحزم أمره وهمته على طلب النعيم الحقيقي والمقامات العالية، فعندها هانت عليه الدنيا وصغرت في عينيه كأدنى من جناح البعوضة، وعندها سَهُل عليه البذل والتضحية بالنفس والمال والوقت وبكل شيء في سبيل الله -عز وجل- كما قال -تعالى- عن هؤلاء الأقوام (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (الحجرات: من الآية15)، بل يصبح ذلك مصدر سعادته وقوته ونعيمه؛ لأنه يسير نحو غايته المنشودة، في الوقت الذي يظن فيه المنافقون وأصحاب القلوب المريضة أنه يُهلك نفسه أو يحرمها، ولا يدرون أنه إنما ينجيها ويرحمها، ويعزّها يوم تزل الأقدام، ويبنى لها قصوراً في دار الخلود لا تزول عنه ولا يزول عنها أبداً، ولكن أنّى للمُبعَد أن يدركَ النعيم الحقيقي!
ولقد ربى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصحابه على هذه الحقائق، ورباهم على سمو الغاية وعلو الهمة، فكانت همتهم في أعلى المعالي، وكانت سيرتهم تاريخاً لا مثيل له، مثال صادق لجيل اجتهد لنيل الكمال وغايتنا أن نقترب من حال هذا الجيل الذي مدحه الله -عز وجل- ومدحه رسوله، ولعلنا -بإذن الله- نقف على شيء من هذه السيرة العطرة.
وختاماً ما أحوج أمتنا خاصة في هذا الزمان إلى ذوى الهمم العالية؛ ليكونوا هم أصحاب الراية ويكونوا هم قوّاد المسيرة.
قال ابن الجوزي -رحمه الله- في (صيد الخاطر):
(الدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة أن لا يقصِّر في شَوْطِه. فإنْ سَبَق فهو المقصود، وإن كَبَا جواده مع اجتهاده لم يُلَمْ) .
...وللحديث بقية إن شاء الله.
