تأملات في حجة الوداع (23)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا -يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ. وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ؛ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ. كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا".
قوله: "وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ": فيه حرص الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على اصطحاب الشباب معه ليتعلموا منه؛ فمِن عَرَفَة إلى مزدلفة أردف أسامة بن زيد -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، ومِن مزدلفة إلى منى أردف الفضل بن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، وهذه مسألة تربوية عظيمة الأهمية، دل القرآن عليها؛ قال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ) (الكهف:60) الآيات، فقد اصطحب موسى فتاه يوشع بن نون الذي صار نبي بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون -عليهما السلام- وهو الذي قاد بني إسرائيل لفتح بيت المقدس وتأسيس الدولة المسلمة هناك التي رجى موسى أن تكون لمؤمني بني إسرائيل في زمنه فلم يجيبوه، بل ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة:24) ، وإنما اصطحب موسى فتاه ليتربى ويتعلم طريقة القيادة والخلق السليم والعمل الصالح، فضلًا عما يتعلمه مِن الخَضر مع موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.
وينبغي للعلماء والدعاة والقادة أن يهتموا بصحبة الشباب لهذا الغرض، وليس لمجرد حمل المتاع أو النعال أو قضاء المصالح للعلماء والقادة؛ فرقٌ هائل بيْن مَن يصطحبون الشباب ليكونوا هالةً حول القائد والزعيم وبين مَن يصطحبهم للتربية العملية والتعليم المباشر والاختلاط بهم؛ فتَعَلُّم الأخلاق والسمت والهدي لن يكون بإلقاء الدروس المُجَرَّدَة فضلًا عن أن تكون دروسًا على البعد -كالدراسة عبر الإنترنت- فقد يُحَصِّل الطالب علمًا، لكن لا يُحَصِّل أدبًا ولا خُلُقًا، ولا فَهمًا للواقع وإدراكًا لاحتياجات الناس وطريقة التعامل معهم، وحسن الرفق بهم؛ وهذا مِن الأمراض الخطيرة التي تضر أعظم الضرر -أن يفقد الإنسان هذه الخصال- فضلًا عن الخلل في فهم الكثير مِن المسائل قد تؤدي إلى انحرافٍ عن المنهج المستقيم.
فلابُدَّ مِن استغلال الأسفار وأوقات الانتقال، بعد الخلطة في المسجد في الصلوات الخمس وفي الجمعة وفي دروس العلم، مع دوام السؤال عن الشأن ومعرفة تفاصيل حياة مَن يُربى، والمعاونة على علاج مشاكله، والتوجيه والإصلاح المستمر، مع تحمل الأخطاء وترك الملامة والعتاب المستمر والانتهار والتغليظ، فضلًا عن الضرب والعقاب البدني.
وهذه آداب للأب والأم، والمُعَلِّم والشيخ، والقائد والزعيم ،والداعية والعَالِم، إذا أراد أن يتعلم مِن هدي الأنبياء -صَلَوَاتُ الله وسَلَامُه عَلَيهم أجمعين-؛ فموسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لم يُعَاتِب يوشع بن نون -عَلَيْهِ السَّلَامُ- على نسيانه إخباره بفَقْدِ الحوت عند مَجْمِع البحرين مع أنها المهمة الوحيدة التي كلفه بها ومع ذلك نَسِيَها؛ فلم يَزِد على قوله: ( قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ )! ( فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) (الكهف:64) ، مع أنهما سارا يومًا وليلة وجزءًا مِن اليوم التالي حتى وجدا النَّصَب بسبب مُجاوزة المكان الذي أُمِرَ به، ومع ذلك كان العفو والصفح وحسن الخلق وحسن الصحبة التي يظهر أثرها في قيادة الأمة بالرحمة والسداد بعد ذلك.