تأملات في حجة الوداع (23)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وفي أثناء إرداف الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الفضل بن عباس خلفه ، "مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ؛ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ؛ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ"، ومع أن هذا تكرر منه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عند جمرة العقبة كما رواه البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قال: أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا، فَوَقَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ، فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ )، وأخرج أحمد والترمذي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَرْدَفَ الْفَضْلَ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَرَ، فَقَالَ: ( هَذَا الْمَنْحَرُ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ )، قَالَ: وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ، وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ؛ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ )، قَالَ: وَقَدْ لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: ( رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنْ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا )، لم يزد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على صَرْفِ وجهه ولَيِّ عُنُقه، مع بيان العِلَّة في ذلك؛ فما كَهَرَه ولا ضَرَبَه ولا شتمه، وأظن لو أن أحدنا صَحِب بعضَ الشباب ففَعَل ذلك لطَرَدَه شَرَّ طردة، وفَضَحَه شَرَّ فضيحه! ولكنه الخلق الكريم، والتربية العظيمة التي تخرِّج الأجيال الفذة والقادة العظام.
وفي قوله: "وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ؛ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ( أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ )، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ"، قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "مَعْنَى شَنَقَ: ضَمَّ وَضَيَّقَ، ومَوْرِك الرَّحل هُوَ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُثْنِي الرَّاكِبُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ قُدَّامَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ إِذَا مَلَّ مِنَ الرُّكُوبِ، وَفِي هَذَا اسْتِحْبَابُ الرِّفْقِ فِي السَّيْرِ مِنَ الرَّاكِبِ بِالْمُشَاةِ وَبِأَصْحَابِ الدَّوَابِّ الضعيفة" (شرح النووي على مسلم، 8/ 186) .
وفي أمره -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالسكينة -وَهِيَ الرِّفْقُ وَالطُّمَأْنِينَةُ- ما أعظم هذا الخلق وهذه الرحمة، والحرص على عدم التدافع والتسابق الذي يأتي على حق الضعيف، خصوصًا في الزحام الشديد الذي يكون في الحج وحرص كل الناس على إنهاء مناسكهم؛ فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أعظم معلم للبشرية، دائمًا يُقَدِّم حق الضعيف ويُحَرِّج فيه؛ وإنما تسود الأمم بذلك، لا بأكل حقه وتضييعه وإهماله، وفي الحديث الصحيح أن معاوية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لا تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لا يُقْضَى فِيهَا بِالْحَقِّ وَيَأْخُذُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ) (رواه ابن ماجه والطبراني واللفظ له، وصححه الألباني) ، ثم روح التراحم التي يجب بَثُّها في الأُمَّة كما قال -تعالى-: ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) (البلد:17-18) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ) (متفق عليه) .
وتـأمل في إرخاء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لناقته الزمام كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ -أي تَلًّا من الرمال- أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ؛ وذلك رحمة بها؛ ومَن كانت شفقته ورفقه بالحيوان ومعرفة حال المشقة عليه فيخففها عليه؛ كيف يكون حاله مع البشر ومع أمته وأتباعه؟! ولابد في هذا مِن إدراك الواقع؛ لمعرفة ما يشق على الخلق ويصعب عليهم.
ووالله إن هذه الخصال لا تنبع إلا من القلب السليم الرؤوف الرحيم الذي جعل الله رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المحل الأعلى من ذلك؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .