شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (24)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- : "ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (رواه مسلم) .

في هذا الجزء مِن الحديث أن المبيت بالمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع مِن عرفة نُسُكٌ مِن مناسك الحج، قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) (البقرة:198) ، وقد ذكر الله هذا النُّسُك بلفظ الذِّكر ولم يذكره بلفظ المبيت الذي اعتاد العلماء على استعماله؛ وهذا يبيِّن لنا حكمة شرع هذه المناسك.

والأصل في الذِّكْر ذِكْر القلب، والتعبير عنه باللسان؛ فليجعل الحاج غايته في هذه المناسك حضور قلبه وانكساره لله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ خاصة أنه يبيت في مكان غير مُهَيَّأ؛ ينام على التراب والحصى، وعلى قارعة الطريق، دون فراش مُعَدٍّ ولا مِهَادٍ لَيِّنٍ، مع أن أكثر الناس ينفرون مِن ذلك ويَستَصعِبُونه، ويبحثون عن رخص المذاهب للانتهاء منه سريعًا؛ إلا أنه مِن أعظم حقائق العبودية أن ينتقل الإنسان مِن مكانٍ إلى مكانٍ ينزل حيث أُمر، ويتحرك حيث أُمر، حيث سَنَّ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبيَّن، ويظهر انقياده وتضحيته بعاداته ونومه وطعامه وشرابه ولباسه؛ فهو عبدٌ لله لا للعادات، ولا للطعام ولا الشراب والهيئة؛ ولذا كان مَن يلتزم بهذا النُّسُك العظيم -الذي ذَكَرَه الله في كتابه مقترنًا بالوقوف بعرفة تعظيمًا لشأنه- يَجِدُ لَذَّةً وقُربًا لا يجدها في غير هذا المكان، ولا يَجِدُها مَن وَجَد ثِقَلًا في النزول بمزدلفة أو تَرَخَّصَ الرُّخَص غير التي دَلَّت عليها سُنَّة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وما أحسن الأبيات التي ذكرها ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- في وصف هذه اللحظات وما تكتنفه مِن حُبٍّ وشَوقٍ؛ قال -رَحِمَهُ اللهُ-:

فَـحَيَّهَلًا إِنْ كُنْتَ ذَا هِمَّـةٍ فَـقَـدْ حَـدَا بـِكَ حَـادِي الشّـَوْقِ فَاطْـوِ الْمَرَاحِلَا

وَقـُـلْ لِـمُـنَـادِي حُـبّـِهِـم وَرِضــَاهُـمُ إِذَا مـَا دَعـَا لَـبّـَيْــكَ أَلْـفًـا كَــوَامـِلَا

وَلَا تـَنْـظُرِ الْأَطـلَالَ مِـن دُونِهِم فَإِنْ نَـظـَرْتَ إِلَى الْأَطْلَالِ عُـدْنَ حَـوَائِـلَا

وَلَا تَـنْتـَـظِرْ بِالـسَّـيْرِ رُفـْقَـةَ قــَاعِـدٍ وَدَعْـهُ فَـإِنَّ الشـَّـوْقَ يَكْفِيكَ حَـامـِلَا

وَخُذْ مِنْهُـمُ زَادًا إِلَـيْهِم وَسِـرْ عَـلـَى طَرِيقِ الْهُدَى وَالْفَقْرِ تُصْبِحُ وَاصِلَا

وَأَحْـيِ بِـذِكْـرَاهُـم سُـرَاكَ إِذَا وَنَــتْ رِكَـابُـكَ فَـالـذِّكْـرَى تـُعِـيــدُكَ عَامِلَا

وَإِمَّـا تــَخـَـافَــنَّ الْـكَـلَالَ فَقـُـلْ لـَهَـا أَمَامُكِ وِرْدُ الْوَصْلِ فَابْغِ الْمَنَاهِـلَا

وَخـُذْ قَبَسًا مِنْ نُورِهِمْ ثُمَّ سِرْ بِـهِ فَـنُـورُهُـمُ يَهْـدِيكَ لَـيْسَ الْمَشَاعِلَا

وَحَــيّ عَـلَى وَادِ الْأَرَاكَ فـَقِـلْ بِــهِ عَـسَـاكَ تَرَاهُمْ فِيهِ إِنْ كُنْتَ قَـائِـلَا

وَإِلَّا فـَفِي نُـعْـمـَانَ عِـنْـدَ مُــعَــرِّفِ الأَحِبَّةِ (1) فَاطْـلُبْهُمْ إِذَا كُنْتَ سَائِلَا

وَإِلَّا فَفِي جَمْعٍ بِلَيْلَتِهِ (2) فَإِنْ تَـفُـتْ فَـمَـتَى؟ يَـا وَيـْحَ مـَنْ كَـانَ غَـافِـلَا

وَحَـيَّ عَـلَـى جَـنَّـاتِ عَـدْنٍ بِـقُـرْبِـهِـم مـَنَـازِلُـكَ الْأُولَـى بِهَـا كُــنْــتَ نَـازِلًا

وَلَــكِـنْ سَــبَـاكَ الْكَـاشِحُـونَ لِأَجْـلِ ذَا وَقَفْتَ عَلَى الْأَطْلَالِ تَبْكِي الْـمَـنَـازِلَا

فَـدَعْـهـَا رُسـُـومًا دَارِسَـاتٍ فَـمـَا بِهَـا مـَقـِيـلٌ فَـجَـاوِزْهَــا فَـلَـيْـسَتْ مَنَازِلَا

رُسُومٌ عَفَتْ يَفْنَى بِهَا الْخَلْقُ كَـمْ بِهَـا قـَـتِيلٌ وَكَمْ فـِيهـَا لِـذَا الْخـُلـُقِ قَاتِــلَا

وَخُذْ يَمْنَةً عَنْهَا عَلَى الْمـَنْهَجِ الَّـــذِي عـَلَـيْـهِ سـَـرَى وَفـْدُ الْـمَحَبَّـةِ آهِــلَا

وَقُلْ سَاعِدِي يَا نَفْسُ بِالصَّبْرِ سَاعـَةً فـَعِـنـْدَ اللُّقَّا ذَا الْـكـَـدِّ يُـصْبِـحُ زَائـِلَا

فـَمَـا هِـيَ إِلَّا سَـاعَـةٌ ثــُمَّ تـَـنْـقَـضِي وَيُـصْبـِحُ ذُو الْأَحْزَانِ فَرْحَانَ جَاذِلَا

قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَوْ تَرَكَهُ أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا إِثْمَ فِي تَرْكِهِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ كَالْوُقُوفِ بعرفات، قالَه مِن أصحابنا ابن بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَقَالَهُ خَمْسَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَهُمْ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (شرح النووي على مسلم، 8/ 188) .

وهذا يدلنا على خطر التفريط في المبيت بمزدلفة؛ إذ لا أَقَلَّ مِن الوجوب، والقول بالركنية قولٌ فيه اجتهاد؛ فلا يصح أن نُفَرِّط في هذا الأمر أو نضيعه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

الصفحة التالية