شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (24)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وروى أبو داود والنسائي وغيرهم وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم عن عروة بن مضرس قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِجَمْعٍ -أي: مُزْدَلِفَة-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فقَدْ أَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي؛ فَقَالَ: ( مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ وَقَفَ مَعَنَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ )، وخَالَف في هذا الحديث مُطَرِّف، فقال: "مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ" (رواه النسائي) ، وأكثر أهل العلم على شذوذ هذه الرواية، احتج بهذا الحديث مَن يقول برُكْنِيَّة الوقوف بمزدلفة؛ لأنه سوَّى بينه وبيْن عرفة، واحتج به أيضًا مَن يقول بسُنِّيَّتِه؛ لأن وقت الوقوف بعَرَفَة ممتدٌ إلى آخر لحظة مِن ليلة النحر، والحديث يَدل عليه؛ لقوله في رواية: "وكان قد وَقَف قبل ذلك بعَرَفَة بليلٍ أو نهارٍ"؛ فهو يمكنه أن يكون آخر لحظة مِن الليل قبْل طلوع الفجر بعَرَفَة ويطلع عليه الفجر وهو بها فلم يُدرك شيئًا مِن ليلة جَمْعٍ والمبيت بها؛ فدَلَّ على سُنِّيَّتِها، والصحيح أن هذا الاستدلال ليس صحيحًا؛ لأن الحديث اشتَرَط أن يدرك جَمْعًا -أي مزدلفة- ولو كان بعد الفجر؛ فمَن أدرك المزدلفة قبْل طلوع الشمس فقد تم حجة وقضى تفثه، وذلك بشرط أن يؤدي بقية الأركان بعد ذلك كطواف الإفاضة والسعي والحلق أو التقصير، وإنما سئل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أركان الحج وهو بمزدلفة فلم يتعرض لما بعد ذلك.

فوقت الوقوف بمزدلفة مِن بعد غروب الشمس مِن يوم عرفة إلى طلوع الشمس مِن يوم النحر، وإن كان يجب على غير النساء والضعفة أن يمدوا وقوفهم إلى الفجر؛ لأنه رُخص لهم ولم يرخص لغيرهم، وحديث أسماء في صحيح مسلم أنه لما غاب القمر دَفَعَت فوقَفَت بمزدلفة، فوقفت عند المشعر الحرام ودَعَت، ثم دفعت إلى منى، فقالت: "إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَذِنَ لِلظُّعُنِ" -أي: للنساء-، تعني: في الانصراف عن مزدلفة بالليل، وغياب القمر يكون عند نحوٍ من ثلث الليل الأخير أو ربعه على حسب أوقات السَّنَة.

روى البخاري وغيره عن ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "أنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ"، وروى أيضًا في كتاب الحج في "بَاب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ فَيَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ إِذَا غَابَ الْقَمَرُ": عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَقُولُ: "أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"، وهذا الحديث يَدُلُّ على أنه ليس لغير هؤلاء الانصراف قبْل الفجر.

وقد كَثُر انصراف المجموعات من الحُجَّاج كُلِّها -ضَعَفَةً وأقوياء، ذُكُورًا وإناثًا- قبْل الفجر مِن مزدلفة، تبعًا لبرامج حَجِّهِم، وأرى أن الرجال الأقوياء ليسوا معذورين ولا يجوز لهم الانصراف قبْل الفجر، ولو تَرَكُوا المجموعة؛ فلا يُخاف على هؤلاء الضياع ولا العجز لمَن أراد اتباع السُنَّة الواجبة؛ وكذا كَثُر من العُمَّال الذين يعملون في المناسك -كمن يعملون في المجازر- الانصراف قبْل الفجر، والرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُرَخِّص للرُّعَاة ولا للسُّقَاة في الانصراف من مزدلفة، وإنما رَخَّصَ للنساء والضَّعَفَة، ورَخَّصَ للرُّعَاة والسُّقَاة في ترك المبيت بمنى، ولا نَعلم حديثًا واحدًا في الإذن للسُّقَاة والرُّعَاة بالانصراف مِن مزدلفة؛ فلا يجوز الانصراف للعمال قبل الفجر؛ بل يُمكِنهم أن يبقوا في مزدلفة في طَرفها الذي قِبَل وادي مُحَسِّر ومنى؛ فإذا طلع الفجر صَلّوا وانصرفوا إلى عَمَلِهم.

وفي قوله: "ثم اضطجع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" دليلٌ على أنه لا يشرع قيام تلك الليلة، وذلك ليتقوى على أعمال يوم النحر، ولا يعني ذلك ترك الوتر -كما يظنه البعض-؛ فإن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يَثبت عنه ترك الوتر أبدًا في حَضَرٍ أو سَفَر.

وقوله: "وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ" فيه: أن صلاة الفجر لا بُدَّ أن تكون بعد أن يتبين الصبح؛ ولذا يجب الحَذَر مِن صلاتها قبل وقتها بسبب الحسابات الخاطئة لتوقيت الفجر مع تعجُّل الناس، ورُكْنِيَّة الصلاة أعظم من رُكْنِيَّة الحج كله؛ فليحذر المسلمون مِن تضييع الصلاة بصلاتها قبْل وقتها في الحج وغيره، ولينتبه رُكَّاب الطائرات التي تُقْلِع قبل الفجر وتصل بعد الشروق -أو قبله بحيث لا يتمكنون من صلاة الفجر قبل شروق الشمس-؛ فيلزمهم إما أن يُصَلُّوها في الطائرة قيامًا بركوع وسجود وفي اتجاه القبلة -ولو في ممرات الطائرة- ولا يعبأوا بمَن يمنعهم؛ فإن عَجَزوا صَلّوا قاعدين وبالإيماء والانحناء أو فليتركوا ركوب هذه الطائرات ويقاطعوها، حتى تُغَيِّر الشركات مواعيدها كي لا تضيع صلاة الفجر.

وقوله: " ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" .

الصفحة السابقة الصفحة التالية