شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (24)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

قال النووي -رحمه الله-: "وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: قُزَحُ -يقصد المشعر الحرام-، وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةُ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ هُوَ قُزَحُ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ السِّيَرِ وَالْحَدِيثِ: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ جَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ" (شرح النووي على مسلم، 8/ 189) ، وجبل قُزَحُ هو الجبل المجاور لمسجد المشعر الحرام الذي بني هناك على جزءٍ منه وبقي منه جزء آخر على يسار المسجد -إذا كان الإنسان متجهًا إلى تجاه القبلة- يمكن صعوده إلى الآن، وإن وقف في أي مكان من مزدلفة فقد صح وقوفه؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ) (رواه مسلم) .

وهذا الوقت وقت ذكر ودعاء، وتهليل وتكبير وتوحيد، كما فعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويستحب أن يظل واقفًا حتى ينتشر ضوء الفجر قبل طلوع الشمس ويحصل الإسفار جدًّا، كما ذكر في الحديث، ويستحب أن يدفع قبْل أن تطلع الشمس؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أراد بذلك مخالفة المشركين، الذين كانوا لا يدفعون مِن مزدلفة -التي كانوا يقفون بها بدلًا مِن الوقوف بعَرَفَة وهذا خاص بقريش- وكانوا يدفعون بعد شروق الشمس، ويَقُولُونَ: "أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ" -يعنون: طلعت الشمس مِن فوق جبل ثبير هناك، لكي ينفروا إلى منى-؛ فخالَفَهم النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فدَفَع قبل أن تطلع الشمس.

كما حرص -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مخالفة المشركين في معظم المناسك، في كل ما يختص بهم:

فخَالَفَهم في الاعتمار في أشهر الحج.

وخَالَفَهم في التلبية؛ فأهَلَّ بالتوحيد، وكانوا يُهِلُّون بالشرك -يقولون فيها-: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، مَلَكْتَهُ وما مَلَك"، وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقرأ في الركعتين في سُنَّة الطَّوَافِ: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، و( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )؛ مُخَالَفَةً للمشركين في عقائدهم.

وخَالَفَهُم في الوقوف بمزدلفة؛ فلم يقف بها يوم عَرَفة -وجاوَزَها إلى عَرَفَة- ولم يقف بها إلا بعد الدَّفْعِ من عَرَفَة ليلة النحر.

وخَالَفَهُم في الدفع مِن مزدلفة؛ فدفع قبل شروق الشمس -وقد كانوا يدفعون بعد شروق الشمس-؛ والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قد حرص أَتَمَّ الحرص على أن تكون للمسلمين شخصيتهم المستقلة التي لا يُشَابِهُون فيها المشركين في شيءٍ مِن عباداتهم ولا عاداتهم ولا معاملاتهم، وقد قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

نسأل الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يحفظ المسلمين مِن كل سوءٍ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعني: عَرَفَة.

(2) يعني: بمزدلفة.

الصفحة السابقة