حماس والمصالحة الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد انتقلت حماس مِن المقاومة المسلحة إلى العمل السياسي والسعي للمشاركة في الحكم بعد التوقيع على (وثيقة القاهرة) في مارس 2005م، والتي تضمنت التهدئة مع إسرائيل، بما يعني تجميد العمليات الانتحارية (الاستشهادية) داخل المدن الإسرائيلية، ووقف إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، مع إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والتحضير للانتخابات النيابية (التشريعية) الثانية في يناير 2006 م.
وكانت حماس قد تعرضت لانتقاداتٍ دولية؛ بسبب استهداف عملياتها للمدنيين الإسرائيليين، وجاء اختيار حماس للدخول في العمل السياسي والدبلوماسي العلني والمشاركة في الانتخابات العامة الموصلة إلى المشاركة في السلطة ليفرض على حماس ضرورة الاتفاق على قواسم مشتركة مع المجتمع الدولي؛ لضمان التعامل مع السلطة الفلسطينية الحاكمة، وإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية ومالية، خاصة مع اعتماد السلطة الفلسطينية على أموال المانحين لاستمرار الإنفاق على -والتنمية في- الضفة وغزة، ولتغطية نفقات السلطة وموظفيها الذين تتزايد أعدادهم مع الوقت، ويتضمن ذلك الاعتراف بالاتفاقات الدولية بيْن منظمة التحرير وإسرائيل ونبذ العنف.
تبعات تشكيل حماس للحكومة:
لقد كان مِن تداعيات المقاومة المسلحة والعمل السري بقاء الحركة في دائرة استهداف الاحتلال مِن جهةٍ، ولكنها تبقى بعيدة عن دائرة التنازلات السياسية؛ إذ ليستْ مضطرة إلى تقديم تنازلات إلا في ظروفٍ استثنائية تحقق معها إنجازات لصالحها مقابل تهدئة أو تجميد مؤقت، أو تبادل أسرى بمعتقلين ونحو ذلك.
وجاءت الموافقة على (اتفاق مكة)؛ لخروج حركة حماس مِن دائرة المقاطعة والعزلة المفروضة عليها مِن قِبَل اللجنة الرباعية الدولية والمجتمع الدولي؛ إذ كان شرط التعامل مع حكومة السلطة الفلسطينية -الحكومة العاشرة للسلطة الفلسطينية- التي شكَّلتها حماس بعد فوزها في المجلس التشريعي: الاعتراف بإسرائيل والاعتراف بالاتفاقات الدولية التي وقعتها السلطة الفلسطينية مِن قبْل، ونبذ العنف.
ووجدت حماس في اتفاق مكة الذي استند إلى وثيقة الاتفاق الوطني مخرجًا؛ حيث تضمن الاتفاق استخدام كلمة: (احترام الاتفاقات الموقعة) بدلًا من كلمة: (الالتزام بالاتفاقات الموقعة)، وتضمن ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة على حدود الرابع مِن يونيو عام 1967م، والتي تقبلتها حماس كحدودٍ مؤقتةٍ (مرحلية) للدولة الفلسطينية، وهذا الاتفاق يتضمن الاعتراف الضمني بدولة إسرائيل.
لقد كان مِن تداعيات المشاركة في السلطة تغيير حركة حماس مِن خطابها وأدواتها التكتيكية بالمشاركة في الاجتماعات الوطنية برعايةٍ مصريةٍ، وبالاتجاه نحو المصالحة مع المجتمع العربي والدولي.
ورغم تشكيل حماس لحكومةٍ وحدة وطنية جديدة -الحكومة الحادية عشر للسلطة الفلسطينية- بعد اتفاق مكة في فبراير 2007م، والتي تبنت وثيقة الاتفاق الوطني؛ فقد استمر المجتمع الدولي في مقاطعة الحكومة ومحاصرتها، إذ لم يعترف بها إلا قطر والنرويج، وهو الأمر الذي عمَّق مِن أزمة مشاركة حماس في الحكم.
استفادت حماس مِن حركات التضامن الشعبي الدولي التي جاءت إلى قطاع غزة عقب الحصار المشدد على القطاع مِن منتصف يونيو 2007م، على خلفية انفراد حماس بالحكم في القطاع، مِن خلال محاولة بعض السفن المحملة بالأدوية والمعونات الإنسانية، لتجذب الأنظار إلى الآثار السلبية للحصار على الأحوال المعيشية لسكان القطاع، وجاءت رسائل وتأكيدات مِن بعض الأوساط والشخصيات البرلمانية لصناع القرار في البلدان الأوربية تتضمن رغبة الحركة في التحرر والاستقلال وليس نفي الآخر، وأن الحركة ضحية لازدواجية المعايير مِن قِبَل المجتمع الدولي الذي عمليًّا لا يعترف بنتائج الانتخابات الفلسطينية رغم ما شهد لها مِن النزاهة والشفافية.
حاولت حماس رفع الحصار والعزلة عن قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي الهمجي على القطاع في ديسمبر 2008م ويناير 2009م، والذي استمر نحو ثلاثة وعشرين يومًا، والذي استهدف السكان المدنيين العزل والبنية التحتية، فخلف نحو 1500 شهيد و5000 جريح، ودمَّر نحو 40 ألف منشأة مِن مؤسسات ومقرات وزارية وأمنية، ومدارس، ومستشفيات، ومساجد، حيث بدأت الوفود تتردد على القطاع للاطلاع على حالة الدمار الذي أصابته، متضامنة مع سكانه إنسانيًّا؛ مما منح القطاع تعاطفًا شعبيًّا عربيًّا ودوليًّا، خاصة مع قيام حماس والقوى الفلسطينية الأخرى بتهدئةٍ غير معلنة، رغم تكرر التوغل الإسرائيلي داخل القطاع، بل واقتطاع مساحة 500 متر مربع مِن الحدود الشرقية للقطاع واعتبارها (منطقة عازلة)، وقصر المنطقة المسموح للصيادين الفلسطينيين بالصيد فيها على مسافة 3 أميال فقط مِن شواطئ غزة مِن أصل 20 ميلًا نصتْ عليها (اتفاقية أوسلو).
رحبت حماس بالبعثة الدولية المكلفة مِن قِبَل (مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة) للتحقيق في أحداث الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في نهاية 2008م وبداية 2009م، وترأس اللجنة القاضي (ريتشارد غولدستون)، وهو يهودي مِن جنوب إفريقيا، وفي الوقت الذي سهلت فيه حماس عمل اللجنة رفضت إسرائيل استقبالها، ورغم إدانة تقرير اللجنة لحماس؛ بسبب إطلاقها للصواريخ على قرية (سديروت) الاستيطانية الإسرائيلية، واستهداف سكانها المدنيين، لكن جاءت معظم محتويات اللجنة تتضمن إدانة واضحة لإسرائيل لاستخدامها كل أنواع الأسلحة، والطائرات والدبابات ضد المدنيين، والبنية التحتية والمنشآت في غزة بما فيها الأسلحة المحرمة دوليًّا! ومنها: "الفسفور الأبيض"؛ فأوقعت خسائر بشرية كبيرة مِن قتلى وجرحى بالآلاف، ثلثها كان مِن الأطفال؛ بالإضافة إلى الخسائر المادية الجسيمة.
وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان نتائج العدوان وقدَّمتها للجنة التي اعتبرت الانتهاكات الإسرائيلية تصل إلى حدِّ (جرائم حرب) و(جرائم ضد الإنسانية) تستوجب محاكمة قادة إسرائيل كمجرمي حربٍ أمام المحاكم الدولية.