شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (25)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا؛ فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ؛ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ؛ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي" (رواه مسلم) .

في إرداف النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الفضل بن عباس خلفه؛ دليل على حرصه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على صحبة الشباب له؛ ليتعلموا منه، ولينقلوا سُنَّتَه، وليوجِّههم ويرشدهم ويؤدبهم ويعلمهم.

وفي وضع النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يده على وجه الفضل قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "فِيهِ الْحَثُّ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ عَنِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَغَضِّهِنَّ عَنِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ "وَكَانَ أَبْيَضَ وَسِيمًا حَسَنَ الشَّعْرِ" يَعْنِي أَنَّهُ بِصِفَةِ مَنْ تُفْتَتَنُ النِّسَاءُ بِهِ لِحُسْنِهِ.

وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَوَى عُنُقَ الفضل فقال له العباس: "لويت عنق بن عَمِّكَ؟"؛ قَالَ: "رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشيطان عليهما"؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ كَانَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهَا.

وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ رَأَى مُنْكَرًا وَأَمْكَنَهُ إِزَالَتَهُ بِيَدِهِ لَزِمَهُ إِزَالَتُهُ؛ فَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَنْكَفَّ الْمَقُولُ لَهُ وَأَمْكَنَهُ بِيَدِهِ أَثِمَ مَا دَامَ مُقْتَصِرًا عَلَى اللِّسَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (انتهى من شرح النووي على مسلم، 8 / 190) .

والظاهر أنَّ وضعَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يده على وجه الفضل كان في الطريق من مزدلفة إلى منى؛ ولأن وجه الفضل كان ظاهرًا للنساء، وكنَّ عددًا مِن النساء (ظُعُنٌ يَجْرِينَ)؛ فكانت تغطيته أولى، وأما لَيّ العُنُق فكان عند سؤال المرأة الشابة رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند جمرة العقبة عن الحج عن أبيها؛ فكان الأنسب لصرف الفتنة عنهما، أما مع تعدد النساء فتغطية الوجه كان أنسب.

وأما تحريك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دابته في وادي مُحَسِّر؛ فلأنه المكان الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل لما أرادوا هدم الكعبة عامَ مَولِده -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والسُنَّة في هذه الأماكن التي أهلك الله فيها الكافرين سرعة المرور؛ خشية أن يصيب الإنسان ما أصابهم، وكذا فعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ديار ثمود لما مر بها في غزوة تبوك، وقال: ( لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

والطريق التي سلكها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الوصول إلى منى المسماة بالطريق الوسطى أو طريق المأزمين لم يعد ممكنًا معرفتها على وجه التحديد بعد الاتساع الشديد في تغيير جغرافية المكان وعمارته، إلا أنها في المكان المتوسط بين الطرق التي تخرج على الجمرات مباشرة؛ فيسير الحاج فيها ويدخل منها إلى الجمرة قدر إمكانه.

وأما قوله: "حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ": فهي جمرة العقبة الكبرى التي شهدت بيعتي العقبة بين النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والأنصار، الأولى والثانية، وهي نهاية مِنى؛ فحَدُّ مِنى إلى منتصف جمرة العقبة، وقد أُزيلت الشجرة من مئات السنين.

وقوله: "فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ": قال النووي -رحمه الله-: "وَفِيهِ: أَنَّ السُّنَّةَ لِلْحَاجِّ إِذَا دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَوَصَلَ مِنًى أَنْ يَبْدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا قَبْلَ رَمْيِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ.

وَفِيهِ: أَنَّ الرَّمْيَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَأَنَّ قَدْرَهُنَّ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ، وَهُوَ نحو حَبَّة الباقلاء، وينبغي ألا يَكُونَ أَكْبَرَ وَلَا أَصْغَرَ؛ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ أَجْزَأَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهَا حَجَرًا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ الرَّمْيُ بِالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسَمَّى حَجَرًا، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.

الصفحة التالية