شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (25)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وَفِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحَصَيَاتِ فَيَرْمِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً؛ فَإِنْ رَمَى السَّبْعَةَ رَمْيَةً وَاحِدَةً حُسِبَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَصَاةً وَاحِدَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ "يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ"؛ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ رَمَى كُلَّ حَصَاةٍ وَحْدَهَا، مَعَ قَوْلُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَعْدَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الرَّمْيِ "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ".

وَفِيهِ: أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقِفَ لِلرَّمْيِ فِي بَطْنِ الْوَادِي بِحَيْثُ تَكُونُ مِنًى وَعَرَفَاتٌ وَالْمُزْدَلِفَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَمَكَّةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ: يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَكَيْفَمَا رَمَى أَجْزَأَهُ بِحَيْثُ يُسَمَّى رَمْيًا بِمَا يُسَمَّى حَجَرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّمْيِ فَالْمَشْرُوعُ مِنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَا غَيْرَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ نُسُكٌ بِإِجْمَاعِهِمْ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى فَاتَتْهُ أَيَّامُ الرَّمْيِ عَصَى وَلَزِمَهُ دَمٌ وَصَحَّ حَجُّهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَفْسدُ حَجُّهُ.

وَيَجِبُ رَمْيُهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ؛ فَلَوْ بَقِيَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ لَمْ تَكْفِهِ السِّتُّ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا حَصَى الْخَذْفِ"، فإثبات لفظة "مثل" رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ" (انتهى كلامه باختصار وتصرف يسير مِن شرح النووي على مسلم، 8/ 191) .

وينبغي أن يستحضر العبد في رميه حديث ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- : "الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونِ، وَمِلَّةَ أَبِيكُمْ تَتَّبِعُونَ" (رواه البيهقي، وهو حَسَن) ، وذلك الرمي ليس لتحَوُّل الشيطان إلى حجر المرمى كما يظنه الجهال؛ بل لأن المُتَّبِع للشرع يُذِلُّ الشيطانَ، ويَطرده عن نفسه بالتزامه بشرع الله.

ومعنى الرجم: الطرد والإبعاد والإهانة والإذلال، وهذا هو المقصود منه، وقد سبق بيان فضله، وأن كل حصاة منها تكفر كبيرة من الكبائر.

والتكبير في هذا الموضع استعانة بالله الكبير على كيد الشيطان الحقير، وعلى كل مَن كان مِن أعوانه، واستشعار العبد صغره وحقارته بالنسبة لعظمة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الأكبر مِن كل شيء، وأنه إنما اختاره الله الكبير الأكبر لكي يأتي لهذا المكان دون غيره مِن الناس الذين حرموا مِن هذا النسك؛ فيعلم العبد أن شرفه إنما هو بامتثاله أمر الله -عَزَّ وَجَلَّ- وبذكره، والتزام شرعه، واتباع سُنَّة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .

والمسلم حين يفكر في معاني الاستسلام في المناسك كلها يخرج مِن الحج بحياةٍ جديدةٍ ملؤها الانقياد؛ فيتجدد إسلامه؛ فهو يرمي حجرًا بحجر، ويقبل حجرًا آخر -وهو الحجر الأسود- أو يشير إليه أو يستلمه ويُقَبِّل ما استلمه به، ويطوف بأحجار الكعبة، ويستلم حجرًا آخر فقط دون تقبيل -وهو الركن اليماني-، وهو يوقن أن جميعها أحجار لا تَضر ولا تَنفع كما قال عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الحجر الأسود؛ ولكن الذي ينفع هو طاعة الله ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، والذي يضر هو مخالفة أمر الله ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ فما أعظم تجديد الحج لإسلام العبد وإيمانه.

واعلم أنه لا بُدَّ أن تقع الحصيات في المرمى، وهو رغم توسعته الحالية أكبر بكثير مما كان في زمن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ إلا أن هندسته المخروطية الحديثة تجمع الحصى المرمي المتدحرج مِن جميع طوابق الرمي إلى عين المكان الذي كان فيه المرمى زمن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والحمد لله، وجزى الله خيرًا مَن فَكَّرَ في هذه الفكرة العظيمة ليتيسر أداء هذا النُّسُك على المسلمين.

وفي قول جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي"؛ دليل على استحباب الرمي مِن أسفل الجمرة وليس مِن فوقها؛ فالأفضل الدور الأرضي لكي يرمي مِن حيث رمى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، والسُنَّة أن يَجعل مكة عن يساره ومِنى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، وليس أن يستقبل القبلة كما ذكر النووي -رَحِمَهُ اللهُ-.

واعلم أن السُنَّة في وقت الرمي يوم النحر أن يبدأ للرجال مِن طلوع الشمس؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لابن عباس وأُغَيْلِمَة بني عبد المطلب -وقد بعثهم ليدفعوا من الليل مع ضَعَفَة أهلِه- فجعل يَلْطِخُ أفخاذَهم ويقول: ( أُبَيْنِيَّ؛ لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصَحَّحَه الألباني) ، وللنساء مِن نصف ليلة النحر.

وأما انتهاء وقت الرمي؛ فقد دَلَّت السُّنة على امتداده إلى المساء، وفيه أقوال لأهل العلم نستعرضها في مقالٍ قادمٍ -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة