شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف القوى الإقليمية والدولية مِن المصالحة الفلسطينية

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتتطلع الأنظار وتنعقد الآمال مِن وقتٍ لآخر بنتائج المفاوضات بيْن فتح وحماس برعاية مصرية ترمي إلى المصالحة الفلسطينية، وبالتالي ازدياد إمكانية إحياء المفاوضات المتوقفة بيْن إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وكلما أعلن عن قرب تحقق هذه المصالحة، تتباين المواقف المعلنة مِن مختلف القوى في منطقتنا وفي العالم ككل، وهو ما سنحاول أن نلقي عليه الضوء في هذه العجالة.

الموقف المصري مِن المصالحة:

نجحت مصر في تحريك المشهد الفلسطيني مِن خلال دفع الجانبين حماس وفتح قدمًا للأمام وفق اتفاق القاهرة في عام 2011م، والذي يعد المرجعية لمجمل التحرك الفلسطيني نحو المصالحة.

ومِن هنا قامتْ القاهرة مِن خلال الحضور المكثف والجهود المتتالية للتقدم الجاد في مسار المصالحة، والتي لم تقصرها على فتح وحماس، ولكن شملت الفصائل الفلسطينية الأخرى، بل امتدت لدفع المسارات الإقليمية والدولية لتحريك القضية الفلسطينية، ومنها دفع الجانب الأمريكي للقيام بدورٍ في استئناف عملية السلام.

ومما لا يخفى على أحدٍ أن النظام المصري يضع الأمن القومي المصري في مقدمة أولوياته خلال دوره تجاه الملف الفلسطيني، وضرورة تأمين جبهة الحدود الفلسطينية المصرية، مع الاستمرار في تحسين الأوضاع السياسية الفلسطينية مِن خلال التحاور مع سائر الأطراف الفلسطينية، والسعي لوضع نهاية للصراع المحتدم بيْن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة.

إشكاليات تعامل مصر مع حماس:

1- انتماء حماس العضوي منذ نشأتها لجماعة الإخوان المسلمين، وارتباطها بتنظيم الإخوان الدولي، حيث ضم مجلس شورى حماس السابق أعضاءً مِن الإخوان المسلمين مِن مصر، ومعلوم أن الإخوان المسلمين قد تصدروا جبهة المعارضة خلال العقود الأخيرة في مصر، ونجحوا في عهد مبارك في الوصول لمقاعد المعارضة في مجلس الشعب، بل وتصدروا المشهد السياسي بعد الإطاحة بنظام مبارك بعد أحداث ثورة 25 يناير 2011م، ثم كان التحول الدراماتيكي للمشهد بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي.

فلا شك أن هناك توجسًا وتربصًا قديمًا -وحاليًّا- بيْن نظام الحكم في مصر وجماعة الإخوان المسلمين، يؤثر قطعًا على تعامل مصر مع حماس؛ إذ هي جزء مِن الجماعة يمكن اتهامه في أي وقتٍ بالعمل لحسابها، ويزيد الأمر خطورة أن حماس لها ذراع عسكري، وميليشيات مسلحة ومدربة، كما يوجد في قطاع غزة التي تسيطر عليه حماس المئات مِن المنتمين للتيارات السلفية الجهادية، والتي زاد نشاطها في شمال سيناء -الملاصق لغزة- في ظل الانفلات الأمني الذي شهدته مصر عقب ثورة يناير.

2- التفاهمات المصرية مع السلطة الفلسطينية وقيادات فتح، بل والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حول مع ما تزعمه إسرائيل مِن متطلباتها الأمنية، وتؤيدها فيه الإدارة الأمريكية؛ إذ تشتكي إسرائيل مِن قصف فصائل المقاومة الفلسطينية -وفي مقدمتها حماس- للمدنيين الإسرائيليين في جنوب إسرائيل بالصواريخ، وتتعاطف معها الدول الغربية وأمريكا، إلى درجة جعلت حماس -بضغطٍ مِن إسرائيل- حركة إرهابية عند الإدارة الأمريكية والغرب؛ مما يمثِّل إلى جانب الخوف مِن التواصل بيْن الجهاديين في غزة والجهاديين في شمال سيناء، واتخاذ غزة قاعدة للانطلاق في عمليات ضد مصر أو ملاذًا للفرار إليها بعد تلك العمليات في ظل الانفلات الأمني الذي عانتْ منه مصر عقب سقوط نظام حكم الإخوان - يمثِّل ضغطًا على مصر للمشاركة في حصار قطاع غزة وعزله مِن جهة معبر رفح، البوابة الشرقية للقطاع؛ وهو الأمر الذي تعامل معه النظام المصري بعدم الإغلاق التام لمعبر رفح، وفتحه على فتراتٍ زمنيةٍ، إلى جانب تدمير معظم الأنفاق التي بناها الفلسطينيون على الحدود، والمطالبة بإشراف السلطة الفلسطينية على المعبر في ظل المصالحة الفلسطينية المرتقبة، وهو ما لا تطمئن إليه حماس في ظل صراعها مع فتح، وفي ظل التنسيق الأمني بيْن السلطة الفلسطينية وإسرائيل برعاية الإدارة الأمريكية.

(وبغض النظر عما إذا كانت حماس تحرك الأحداث في شمال سيناء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فإنها تبقى مسئولة بدرجة كبيرة؛ لكونها السلطة الحاكمة في القطاع، ولكونها العين الفلسطينية الراصدة لكل شاردة وواردة تدخل وتخرج مِن القطاع، وهي بسلطتها قادرة على معرفة وتسجيل كل التحركات مِن وإلى غزة، ويمكنها مِن خلال علاقاتها مع مالكي وعمال الأنفاق مراقبة موزعي ومهربي السلاح.

ولحماس سابقة إغلاق للأنفاق مرتين لأوضاع طارئة إبان حكم محمد مرسي، عقب حادث مقتل 16 جنديًّا مصريًّا في أغسطس 2012م، وعقب اختطاف 7 مِن عناصر الأمن المصري في مايو 2013م، حيث أعلنت منطقة الحدود بالكامل منطقة عسكرية مغلقة، بل كانت حماس تغلق الأنفاق مِن جانبها أحيانًا في عهد مبارك بطلبٍ مِن مصر أو لأوضاعٍ طارئةٍ تخص أمن القطاع).

وقد تعاملت حماس مع إشكالها مع مصر بعقليةٍ سياسيةٍ مرنةٍ؛ فأصدرت وثيقة جديدة اعترفتْ فيها بدولة فلسطينية على حدود 4 يونيو1967م، وفكت فيها ارتباطها السياسي بجماعة الإخوان، كما أجرت انتخابات في المكتب السياسي لها صعدت فيه جيل جديد لقيادة الحركة، يتحمل تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة مِن حماس على أرض الواقع؛ ولعله كان الأنسب -مِن بداية الكفاح الفلسطيني المسلح وإلى الآن- أن يتفرغ الفلسطينيون لقضية تحرير أرضهم بعيدًا عن الارتباط حاليًا بأي التزام يتسبب في تعرضهم للشئون الداخلية للدول العربية خاصة، وقضايا العالم الأخرى عامة، في وقتٍ تحتاج فيه لكل معاونة وتأييد مادي أو دبلوماسي أو معنوي في مواجهة إسرائيل وحلفائها، والصهيونية العالمية.

موقف إسرائيل مِن المصالحة:

الصفحة التالية