شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف القوى الإقليمية والدولية مِن المصالحة الفلسطينية

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

ترجع أهمية التعرف على موقف إسرائيل مِن المصالحة أن إسرائيل طرف رئيسي في مفاوضات السلام التي ترنو إليها المصالحة في أهدافها، وهذه المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية هي ما تبقى مِن محاور لحل القضية الفلسطينية مع غياب الخيارات الأخرى عن المنظور العربي حاليًا! وإن كانت إسرائيل تريد مِن هذه المفاوضات فرض تصورها للسلام، وهو ما يقاومه المفاوض الفلسطيني، ولكن الانقسام الفلسطيني يساهم في تجميد هذه المفاوضات، حيث تستثمره إسرائيل في زعم أنه لا وجود لشريكٍ فلسطيني في مفاوضات السلام، وأن رئيس السلطة الفلسطينية لا يمثِّل كل الفلسطينيين تحت الاحتلال، وهذا التجميد هو ما تريده إسرائيل، حيث ترى إسرائيل أن الوقت في صالحها لفرض الأمر الواقع الذي تريده، خاصة وقد سمح الانقسام لإسرائيل بالاستفراد بكلٍّ مِن السلطة في الضفة الغربية وحماس في غزة على حدة، في استنفاد خيارات التفاوض مع السلطة، وفي استنفاد خيارات المقاومة مع حماس، والوصول بالخيارين إلى الصفر مِن حيث المحصلة النهائية مِن الناحية العملية.

وإسرائيل تتخذ موقفًا دبلوماسيًّا مِن المصالحة؛ فهي لا ترفضه رفضًا قطعيًّا علانية، كما فعل (نتنياهو) مِن قبْل في مصالحة سابقة عام 2014م، حيث أعلن بعدها عدم التعامل مع السلطة لتعاونها مع حماس المعادية لإسرائيل، أي تخيير السلطة بيْن السلام مع إسرائيل، وبين السلام مع حماس، ولا هي تؤيده بلا تحفظاتٍ، خاصة مع موافقة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، واللجنة الرباعية والاتحاد الأوروبي، وما أبداه المبعوث الأمريكي للمنطقة مِن ارتياحٍ لمفاوضات المصالحة الفلسطينية إذ هو خطوة ضرورية لأمريكا لعرض تصورها الذي تعده للسلام في المنطقة، وهو ما يُعرف بـ(صفقة القرن!).

ولإظهار القبول المؤقت للمصالحة مع السعي إلى وأدها؛ طلب نتنياهو مِن حماس: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ونزع سلاح حماس، وإعلان نبذ العنف -أي المقاومة المسلحة-، وقطع علاقتها بإيران؛ لقبول مشاركة حماس السياسية في السلطة الفلسطينية، وهي مطالب تتقبلها أطراف عديدة في المجتمع الدولي، فتتخذها إسرائيل غطاءً لموقفها الرافض للمصالحة، وتراهن إسرائيل كالعادة على فشل جهود المصالحة الفلسطينية كما فشلتْ في المرات السابقة.

الموقف الإيراني:

شغلت إيران وملأت الفراغ الذي تركه العرب في دعم خيار المقاومة المسلحة ضد إسرائيل مِن خلال التسليح والتدريب لكتائب القسام؛ إذ إن إيران الداعم الأكبر لها! بالإضافة إلى الدعم المالي والسياسي لقطاع غزة تحت حكم حماس التي تتزعم حاليًا المقاومة الفلسطينية، وهو ما جعل حماس ترتبط بإيران، وتفضل الإبقاء على الخطوط مفتوحة للتواصل مع إيران تحسبًا لأي تغيير في المعادلة ستسفر عنها المرحلة المقبلة، ويرى قادة حماس في ذلك التواصل مع إيران وتلقي الدعم منها ضرورة! ولهذا حرصت حماس بعد إعلان المصالحة الأخيرة في القاهرة في ديسمبر 2017م على إرسال وفد إلى طهران للتأكيد على استمرار علاقة حماس بإيران في ظل المصالحة، وعدم الاستجابة لمطالب قطع العلاقة معها؛ بالإضافة إلى إعادة حماس لتقييم موقفها مِن الأزمة السورية بعد تطوراتها الأخيرة لصالح بشار الأسد، لتحسين علاقتها مِن جديدٍ مع نظام الأسد ومع حزب الله في لبنان، وفي المقابل: اتخذت إيران موقفًا دبلوماسيًّا مرنًا يُظهِر دعم المصالحة الفلسطينية لما فيها مِن نبذ للخلافات.

الموقف التركي:

تؤيد تركيا موقف الإجماع الدولي والعربي حول حل الدولتين، واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية على حدود الرابع مِن يونيو 1967م، كما تضطلع تركيا بتنفيذ مشاريع إعمار غزة، بدون أي تبعاتٍ أو شروطٍ على الفلسطينيين، كما أن لتركيا علاقات وتعاونًا مع إسرائيل، في الوقت الذي تحتفظ فيه بعلاقاتٍ طيبة مع حماس، رغم محاولة حماس الأخيرة لفك الارتباط سياسيًّا مع جماعة الإخوان المسلمين التي ترتبط تركيا بها، فتركيا رسميًّا تؤيد المصالحة وترى شدة الحاجة إلى سرعة تطبيقها على أرض الواقع لتسريع إحياء عملية السلام.

الموقف الأمريكي:

جوهر السياسة الأمريكية ثابت سواء في وجود رؤساء أمريكيين جمهوريين أو ديمقراطيين، ويدور حول الحفاظ على وجود إسرائيل في المنطقة، وعلى الحفاظ على أمنها؛ لذا استخدمت أمريكا حق الفيتو (الاعتراض) في الأمم المتحدة لأكثر مِن 40 مرة؛ لمنع أي عقوباتٍ أو ضغوطٍ على إسرائيل أو للتغاضي عن انتهاكاتها وحكمها العسكري الصارم على الفلسطينيين. ولم يمنع ذلك مِن انتقاد أمريكا لإسرائيل مِن وقتٍ لآخر لسياسة التوسع في الاستيطان في القدس والضفة، ولم يمنعها مِن مشاركة المجتمع الدولي في تأييد حل الدولتين الذي ترفضه إسرائيل، وهو ما تتجه أمريكا إلى التخلي عنه في ظل رئاسة ترامب حاليًا.

وتؤيد أمريكا المصالحة الفلسطينية مِن جهة؛ إذ تساهِم في إعادة إحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتمهِّد مِن جهةٍ أخرى الطريق لعرض التصور الأمريكي لحل القضية الفلسطينية التي ستعرضه بعد استكمال تفاصيله، وهو ما يُطلق عليه: (صفقة القرن)، ولكن أمريكا ترى -توافقًا مع إسرائيل- أنه لا يمكن قبول حماس كفاعلٍ إلا بعد قبولها لاتفاق أوسلو، والاعتراف بقبول حق إسرائيل في الوجود، ونبذ العنف (أي المقاومة المسلحة).

موقف الاتحاد الأوروبي:

يتصف الدور الأوروبي في دعم السلام في المنطقة بكونه مكملًا ومساعدًا للدور الأمريكي، ويقتصر غالبًا على الدعم المالي والسياسي المقتضب، الذي يوازن بيْن العلاقات الطيبة مع أمريكا وإسرائيل، ومع الجانب العربي والفلسطيني، وهو دور يتسم بالتقدم ببطءٍ يتفادى أي رفض أمريكي أو إسرائيلي له، ويساعد على احتواء أي توتر في العلاقات الأمريكية العربية، وهو ما تدعمه أمريكا وتراه دورًا يمنع حدوث فراغ سياسي أو دبلوماسي في العملية التفاوضية، رغم التحفظات الإسرائيلية عليه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية