شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع اسم الله "الحفيظ" (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

التنبيه على فضل التعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، بأسلوبٍ وعظي إيمانيٍ، وبيان أن ذلك مِن أعظم أبواب التعبد لله -عز وجل-؛ لأن كل العبادات تأتي تبعًا بعد معرفة الله -عز وجل-.

المقدمة:

- أكثر الخلق لا يغفلون أسباب الحفظ المادية: (تناول الأدوية والعلاجات - وضع الحراسات والأبواب الحديدية والأقفال - حزام الأمان والاطمئنان على إطارات السيارة ونحوه قبل السفر - خزانة الأموال - تأمين مستقبل الأولاد - وغير ذلك... ).

- ويغفلون عن السبب الحقيقي للحفظ: وهو حفظ الحفيظ -سبحانه- الذي يقدِّر ما يشاء على هذه الأسباب المادية؛ والا فإن كل أسباب الحفظ المادية ستنسى إذا انعدمت فائدتها ساعة الحاجة إليها، قال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) (سبأ:21) .

- تَصور هذا المشهد: "طائرة تقلع مِن المطار متجهة إلى دولةٍ أخرى -قطعة من الحديد تسبح في الهواء- تحملها أجنحة ضخمة، وعدد مِن المحركات الضخمة تدفعها، وركاب الطائرة كل واحد منهم في شأن، وفجأة يعلن قائد الطائرة عن عطلٍ فنيٍ يعرض الطائرة للخطر، فإذا بكل شيءٍ يتغير، ويملأ الرعب والخوف القلوب والمكان، بعد أن كانوا في أحوالٍ مطمئنةٍ؛ نسوا جميعًا كل شيء، وصاروا جميعًا يجأرون: يا رب... يا رب!".

أين المحركات الضخمة والأجنحة الهائلة؟

أين القدرة الهائلة لأحدث الطائرات في هذه اللحظة؟

قال الله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (يونس:22) .

- جأرت القلوب قبْل الألسنة مِن الجميع؛ المؤمن والكافر: "يا الله... يا الله!": قال الله -تعالى-: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) (الأنعام:40-41) .

(1) حفظ الحفيظ لعباده:

- جعل الحفيظ أربعة ملائكة يحفظونك مما لم يقدَّر لك: قال الله -تعالى-: ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) (الرعد:11) ، قال المفسرون: "يحفظونه بأمر الله". وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ملائكة يحفظونه مِن بيْن يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه" (تفسير ابن كثير) .

- بل الحفيظ يحفظ الكائنات الأخرى مِن بعضها: قال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) (سبأ:21) ، قال -تعالى-: ( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه:50) .

- أمثلة: (يحفظ بعضها بالجري السريع كالغزال والأرنب - وبعضها بالقرون التي تبقر بطن عدوها كوحيد القرن والجاموس - وبعضها بضخامة الجثة فتدكدك أعدائها كالفيل والدب - وبعضها بالسموم الكامنة في أجسادها كالثعابين والعقارب - وبعضها بالتلون كالحرباء - وبعضها بالطيران - وبعضها بالمراوغة - ... )، وما يعلمه الله وحده مِن حفظه أعظم وأكثر وأكثر...

(2) حفظه ودفاعه عن أوليائه:

- الحفيظ يدافع عن أوليائه ويحفظهم مِن أعدائه: فتصور طبيعة الخصومة، ومَن المنتصر ومَن المنهزم؟ قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) (الحج:38)، وفي الحديث القدسي قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ) (رواه البخاري) .

- لن يقدر العالم كله أن يضرك إذا كنتَ في حفظ الحفيظ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، ( قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (طه:45-46) ، وقال: ( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) (القصص:35) .

صور مِن حفظه -تعالى- لأوليائه:

1- حفظه -سبحانه وتعالى- النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة مِن موت محقق: (اطلاعه على مكر المشركين - الأمر بالهجرة - تضليل المشركين عند البيت وعند الغار)، قال -تعالى-: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال:30) ، وقال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (يس:9) ، ( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) .

2- حفظه -سبحانه وتعالى- موسى -عليه السلام- صغيرًا مِن القتل: " فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) (القصص:7) - عطف قلب امرأة الفرعون عليه - تحريمه المراضع عليه إلا أمه!"، قال الله -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) ، وقال: ( أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى? عَيْنِي ) (طه:39) .

الصفحة التالية