شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حماس والموازنات السياسية

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتُعد حركة حماس، حركة متعددة الأبعاد، بدأت كحركةٍ اجتماعيةٍ لها هياكل اجتماعية وثقافية، جعلت لها تغلغلًا في مجتمعها، ومنحتها حشدًا وتأييدًا شعبيًّا عزز مِن وجودها، ثم تبنتْ بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1978م المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي لتصبح تنظيمًا عسكريًّا، ثم أصبحت أيضًا حزبًا سياسيًّا بعد خوضها الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية في يناير 2006م، بل والفوز بالأغلبية فيها، وتشكيل الحكومة العاشرة، ثم الحكومة الحادية عشر للسلطة الفلسطينية، ثم انتقلت إلى مرحلة (شبه دولة) بالانفراد بحكم قطاع غزة، مِن منتصف يونيو 2007م، حيث أصبحت المسؤولة وحدها -وعلى نطاق واسع- عن الأمن وسائر الأوضاع الأخرى المرتبطة بحكم قطاع يقرب سكانه مِن 1.5 مليون نسمة.

وهذا الخليط مِن التوجهات والأنشطة العسكرية وغير العسكرية لحماس يقوم على أيديولوجية ترتبط بفكر الإخوان المسلمين (الجماعة الأم التي انحدرت منها)؛ لذا فلها أهداف استراتيجية ومراحل تكتيكية، وهي مِن الناحية العملية لها موازناتها السياسية الخاصة بها، المرتبطة بخصوصية الحالة الفلسطينية التي تؤثر على خطواتها العملية، في ظل التعامل مع إسرائيل كدولةٍ أعلن قيامها في مايو 1948م على 80% مِن أرض فلسطين التاريخية، وكسلطة احتلال تسيطر على الضفة الغربية، وكقوة (شبه احتلال) لقطاع غزة حيث تفرض عليه حصارًا مشددًا، وتضعه في عزلة خانقة منذ أن استقلت حماس بحكمه.

وتمتاز التنظيمات المؤسسية التي تقوم على العمل الجماعي وتمتلك الأنشطة الاجتماعية التي تقدم خدمات متعددة تتغلغل بها داخل المجتمع وتجعل لها قاعدة جماهيرية عريضة بإمكانية الاستفادة مِن الانفتاح على العمل السياسي والمشاركة فيه، وبالتالي معرفة واختبار مدى الشعبية التي تحظى بها ومدى التقبل لتوجهاتها السياسية، كما في جماعة الإخوان المسلمين منذ خوضها للعمل السياسي في أربعينيات القرن العشرين الماضي، وكحركة حماس في السنوات الأخيرة في فلسطين، وهي ميزة تفتقدها بالطبع الحركات الإسلامية التي لا وجود مجتمعي لها كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش مثلًا.

الشرع ميزان للحكم على أي موازنات:

ومما هو معروف عن الإطار الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين (الجذر الأيديولوجي لحركة حماس): أنه إطار فضفاض يتيح معالجات وبرامج سياسية متعددة تدور أينما دارت المصلحة التي تراها الجماعة، وتسمح بتجنيد قطاعات أكبر مِن جهة العدد، وأعرض مِن جهة التنوع، ولا يلزم أتباعه بتقديم تفسير كامل وبرنامج مفصل، بل يعطيهم فرصة الاستفادة مِن الوسائل العملية المتاحة، دون التقيد بقيودٍ نظرية تفرضها أيديولوجيتها؛ لذا فهي تخضع لمراحل مِن التطور والتغير بفعل الممارسة والتجربة السياسية، تتفاعل مع الأحداث، وتتجاوب مع الفرص أو التهديدات، وتبني عليها موازناتها، مع مراعاة أن لمرونة هذه الأيديولوجية حدودًا، فهي لا تتغير تغيرًا كليًّا، ولا تتغير بسرعةٍ وبسهولةٍ؛ وإلا تعرضت للانشقاق مِن داخلها، واتهمت بالانتهازية مِن خصومها، فليس مِن السهل تغيير الشعارات التي ارتبطت بها الجماعة، وتجاوب معها أتباعها؛ لذا فالتغيير عادة ما يكون بطيئًا وحذرًا، وتحت ضغط التجربة والممارسة.

والتغيير والتطوير في الموازنات مِن الناحية العملية قد يكون مقبولًا، بل ربما يكون مطلوبًا بالنظر إلى المصالح والمفاسد، والتهديدات والمتاح، فيما يكون فيه الخلاف معتبرًا شرعًا، يقبل إعادة الاجتهاد فيه، وليس فيه التخلي عن الثوابت المعلنة أو الخروج عن مواطن الإجماع المعروفة، ولا يخفى أن مرجعية جماعة الإخوان هي المرجعية الدينية الإسلامية، وينبغي أن تبنى عليها كل الموازنات، وهي موازنات تحتاج إلى علمٍ شرعيٍ راسخٍ، وفهمٍ للواقع واضح، ورؤية تجمع بينهما، وعليها يكون الحكم على هذه الموازنات بموافقة الشرع أو مخالفته، وبها يكون الحكم على صحة أو عدم صحة توجهات وتحركات الجماعة ككل.

حماس وفك الارتباط بالإخوان المسلمين:

عرفت حركة حماس نفسها في صدر لائحتها الداخلية عند نشأتها عام 1978م أنها (تنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين)، وهو ما انعكس على بنيتها التنظيمية.

ومِن ذلك على سبيل المثال:

إن مجلس شورى حماس -أعلى مستوى قيادي داخل الحركة- يضم عددا مِن رموز التنظيم الدولي للإخوان، منهم ثلاثة مِن تنظيم إخوان مصر، فتشكيل مجلس الشورى السابق ضم المهندس: (سعد الحسيني)، عضو مكتب إرشاد الإخوان المسلمين في مصر، وهو محافظ كفر الشيخ في فترة حكم الدكتور محمد مرسي، وحل محله في التشكيل التالي الدكتور: (محمود حسين)، أمين عام تنظيم الإخوان في مصر وقتها، كذلك ضم المجلس السابق الدكتور: (محمد البلتاجي) مِن تنظيم إخوان مصر، وحل محله في التشكيل التالي المهندس: (رضا فهمي)، وهو رئيس لجنة فلسطين داخل تنظيم الإخوان في مصر وقتها.

في الانتخابات الداخلية لحركة حماس التي اختتمت في القاهرة في أبريل 2013م تم اختيار (محمود صوالحة) عضوًا في المكتب التنفيذي (أي المكتب السياسي) للحركة، ليشغل موقع المسئول الأول عن قسم العلاقات الدولية داخل الحركة، وهو عضو في أمانة التنظيم الدولي للإخوان في لندن، حيث كان يقيم فيها منذ أكثر مِن 15 عاما.

قيام حماس بالتجديد مرة أخرى لـ(خالد مشعل) رئيسًا لها بضغطٍ مِن قيادات التنظيم الدولي للإخوان على بعض أجنحة حماس.

استجابة حماس السريعة لقرار مكتب الإرشاد العالمي للإخوان بإنهاء حالة الازدواجية الإدارية التي عليها المكاتب الإدارية لإخوان الشام في دول الخليج، وبالتالي عدم التداخل بيْن التنظيم الأردني وحماس في مكاتبها الإدارية، أي فك الارتباط المالي والسياسي بيْن تلك المكاتب، وذلك في إطار إعادة ترتيب التنظيم الدولي للإخوان لأوراقه الداخلية بعد تطورات ما عُرف بالربيع العربي.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يستقبل الدكتور محمد مرسي وفدين مِن حركة حماس خلال الشهر الأول مِن توليه الرئاسة في مصر، فاستقبل وفدًا برئاسة (خالد مشعل) في 18 يوليو 2012م، واستقبل وفدًا برئاسة (إسماعيل هنية) في 27 مِن نفس الشهر.

الصفحة التالية