حماس والموازنات السياسية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ولهذه الروابط الخاصة مع الإخوان في مصر ومع التنظيم الدولي للإخوان كان الصعود السياسي للإخوان في مصر خلال عامي 2011 م - 2012م، والنصف الأول مِن عام 2013م منعطفًا كبيرًا في مسيرة حماس، ثم جاء فشل تجربة الإخوان والإطاحة بهم ليكون الزلزال السياسي الذي أثر بعد ذلك على تحالفهم السياسي مع الإخوان.
ففي ظل التحديات الكبيرة والأجواء المضطربة التي تحيط بحماس على كافة الأصعدة، وحاجتها إلى إعادة ترتيب أوضاعها داخليًّا وإقليميًّا، وللتقدم في ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية الذي تتولى مصر رعايته، أجرت حماس تحولًا داخليًّا كبيرًا بإصدار وثيقةٍ سياسيةٍ جديدةٍ تراعي مستجدات الحركة دون التخلي عن مبادئها في ظل مرونة في العمل السياسي، وقد تضمنت الوثيقة قبول دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967م، وتضمنت التحلل مِن أي ارتباطاتٍ سياسيةٍ مع جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي تقديم الحركة نفسها كحركةٍ وطنيةٍ فلسطينية.
جاء فك الارتباط بجماعة الإخوان سياسيًّا نتيجة الأزمة التي تمر بها جماعة الإخوان في مصر، وما خلفته مِن تداعيات في المواقف السياسية بيْن مختلف أطراف المنطقة، مما دفع حماس دفعًا إلى فك الارتباط بالإخوان بناءً على تفاهماتٍ إقليمية ودولية يلزم حماس العمل بها لاستئناف علاقاتها الدولية والإقليمية والعربية ولاستكمال المصالحة الفلسطينية برعاية مصرية.
حماس والتهدئة مع إسرائيل:
عرفت حماس نفسها منذ أول نشأتها على أنها تتبنى نهج المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي، فهي (حركة المقاومة الإسلامية)، ولا يتضمن ميثاق الحركة أي إشارة إلى هدنة طويلة أو مؤقتة (تهدئة) مع إسرائيل، وتبني الحركة لهذا النهج مِن أسباب شعبيتها وانتشارها خاصة بعد فشل نهج المفاوضات السلمية التي قادتها منظمة فتح والسلطة الفلسطينية في تحقيق الحد الأدنى مِن المطالب الفلسطينية في ظل التعنت والتشدد الإسرائيلي، ومع ذلك فقد لجأت حماس في مرات عديدة إلى التهدئة المعلنة أو غير المعلنة مع إسرائيل لاعتباراتٍ سياسيةٍ عديدةٍ.
ومِن ذلك: ما كان بعد اتفاقية أوسلو 1993م، وميل الرأي العام الفلسطيني إلى مشروع التسوية السلمية، وانتظار حماس والفصائل الأخرى الرافضة للاتفاقية لما ستسفر عنه مفاوضات السلطة الفلسطينية مع إسرائيل، حيث قدَّم الشيخ أحمد ياسين قائد حماس -رحمه الله- عرضًا لهدنةٍ طويلة مع إسرائيل دون تخلي الحركة عن سقفها الأيديولوجي؛ مما فسر وقتها بأنه طلب فترة زمنية مِن الهدوء بهدف إعادة التسليح وتنظيم الصفوف، ورغم أن هذا العرض لم ينفذ فقد قامت حماس بتهدئةٍ غير رسمية وغير معلنة في أواخر 1995م في اتفاقٍ بينها وبيْن منظمة التحرير -لا بينها وبيْن الاحتلال الإسرائيلي- بتعليق عمليات المقاومة لحين إتمام الانسحاب الإسرائيلي مِن الأراضي التي ستخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، وللسماح بإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأولى في يناير 1996م، مقابل اعتراف منظمة التحرير بحماس -الوافد الجديد- كفصيل فلسطيني، وهو ما فسِّر على أنه رغبة في زيادة الحوار مع السلطة الفلسطينية، ولتجنب وقوع اشتباكات بيْن حماس والفصائل المؤيدة لمشروع أوسلو، خاصة مع ما تعرضت له حماس في هذه الفترة مِن ضعفٍ عسكري، وتراجع للتأييد الشعبي لعملياتها المسلحة.
ولم تصمد هذه التهدئة طويلًا؛ إذ لم تحظَ حماس باعترافٍ رسميٍ مِن منظمة التحرير، ولم تشارك في الانتخابات التشريعية الأولى عام 1996م لضعف إمكانية الفوز فيها بنسبٍ معقولة، بما يعني عدم مناسبة الدخول في العمل السياسي وقتها، وبالتالي عدم الحاجة للاستمرار في التهدئة، ومع ضعف الحركة عسكريًّا نسبيًّا، والرغبة في عدم تنفيذ عمليات مِن أراضي السلطة الفلسطينية تجنبًا للصدام معها، خاصة تحت ضغط المجتمع الدولي وإسرائيل على السلطة لتفكيك الحركة ونزع سلاحها، لجأت حماس إلى استخدام تكتيك العمليات الانتحارية (الاستشهادية)، مما عزز مِن مكانتها، وحقق لها بعض المكاسب، إذ احتفظت بتوجهها المسلح الذي يميزها عن غيرها مِن الفصائل، وراعت المصلحة الوطنية بتأمين وضع السلطة الفلسطينية.
وقد عرضت حماس وقف عملياتها العسكرية في عدة مناسبات في مقابل طلبات لم تلقَ قبولًا لدى إسرائيل: كوقف الهجمات الإسرائيلية على غزة في بعض الفترات، أو إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين في سجون إسرائيل، أو الانسحاب مِن غزة والضفة وإخلاء المستوطنات الإسرائيلية.
ولاعتباراتٍ سياسيةٍ أخرى قامت حماس بتهدئةٍ على فترات، منها: ما بعد أحداث 11 سبتمبر خشية الربط بيْن حماس وبيْن القاعدة والجماعات التكفيرية الأخرى، وبالتالي اعتبار حماس جماعة إرهابية.
ومنها: ظروف الحرب الأمريكية على العراق، وتداعياتها على حلفاء حماس في إيران وسوريا، خاصة مع وجود قيادات لحماس في سوريا.
ومنها: الضعف الذي انتاب فتح وخفف مِن قبضتها على السلطة الفلسطينية بعد ظهور الخلافات بيْن أجنحة فتح، بل وبدء ظهور قيادة جديدة في فتح بعد تولي محمود عباس رئاسة الوزارة في السلطة الفلسطينية.
ومنها: وفاة ياسر عرفات في نوفمبر 2004م، وهي أحداث سمحت بمشاركة حماس في العملية السياسية لتكون على الأقل جزءًا مِن القيادة الفلسطينية الجديدة بعد غياب القادة التاريخية لعرفات.
ومن ذلك: تهدئة ما بعد إعلان القاهرة في مارس 2003م، والتهدئة المؤقتة نهاية يناير 2005م، ثم تهدئة نوفمبر 2006م، والتي استمرت إلى مايو 2007م في ظل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عقب اتفاق مكة في يناير 2007م، وظهور احتمال أن تحظى حماس باعترافٍ رسميٍ عربي ودولي أو -على الأقل- تخفيف الحصار المفروض عليها.
وبعد إحكام حماس سيطرتها الأمنية والسياسية على قطاع غزة كان قبول حماس للتهدئة في يوليو 2008م، ولمدة 6 شهور، والتي أعلنت نهايتها في ديسمبر 2008م لتستأنف حماس إطلاق صواريخها على جنوب إسرائيل، الذي أعقبه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في عملية: (الرصاص المصبوب) في ديسمبر 2008م، ويناير 2009م.
التهدئة خلال حكم محمد مرسي: