شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (27)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: " ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ؛ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ؛ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ؛ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ. فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ" (رواه مسلم) .

قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْحَرَ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ مِنْ مِنًى، وَحَيْثُ ذَبَحَ مِنْهَا أَوْ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ" رواه أحمد وأصحاب السُنَن والحاكم في المستدرَك وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ>.

وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ تَكْثِيرِ الْهَدْيِ، وَكَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِائَةَ بَدَنَةٍ.

وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ ذَبْحِ الْمُهْدِي هَدْيَهُ بِنَفْسِهِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ إِذَا كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ كَافِرًا كِتَابِيًّا بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عِنْدَ دَفْعِهِ إِلَيْهِ أَوْ عِنْدَ ذَبْحِهِ. وَقَوْلُهُ "مَا غَبَرَ" أَيْ: مَا بَقِيَ.

وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ ذَبْحِ الْهَدَايَا وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يُؤَخِّرُ بَعْضَهَا إِلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ...

قَوْلُهُ: "أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا"؛ الْبَضْعَةِ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ.

وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَأُضْحِيَّتِهِ؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمَّا كَانَ الْأَكْلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ سُنَّةً، وَفِي الْأَكْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمِائَةِ مُنْفَرِدَةً كُلْفَةٌ؛ جُعِلَتْ فِي قِدْرٍ لِيَكُونَ آكِلًا مِنْ مَرَقِ الْجَمِيعِ الَّذِي فِيهِ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَيَأْكُلُ مِنَ اللَّحْمِ الْمُجْتَمِعِ فِي الْمَرَقِ مَا تَيَسَّرَ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَأُضْحِيَّتِهِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ" (شرح النووي على مسلم 8/ 192) .

قلتُ: ذكر النووي -رَحِمَهُ اللهُ- الأكل مِن هدي التطوُّع، وهدي القِران، والتمتُّع مِن الهدي الواجب، وقد أكل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منه؛ فهذا دليلٌ على مشروعية الأكل مِن هَدي التطوُّع والقِرَان، وليس أن ذلك مختصُ بهدي التطوع فقط كما ذكره؛ لأن مذهبهم فيه خلاف هذا الدليل، وقد بَوَّب مجد الدين ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- في "منتقى الأخبار": "باب الأكل مِن دم التمتع والقران والتطوع"، ولا شك أن هذا أحسن بكثيرٍ مما ذكره النووي -رَحِمَهُ اللهُ-.

قال الشوكاني -رَحِمَهُ اللهُ- بعد أن ذكر حديث جابر: "وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمَا كَانَ فَرْضًا؛ لِعُمُومِ قَوْله -تَعَالَى-: ( فَكُلُوا مِنْهَا ) (الحج:28) ، وَلَمْ يُفَصِّلْ؛ وَالتَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزَّكَاةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَا يَنْتَهِضُ لِتَخْصِيصِ هَذَا الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ شَرْعَ الزَّكَاةِ لِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ؛ فَصَرْفُهَا إلَى الْمَالِكِ إخْرَاجٌ لَهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا، وَلَيْسَ شَرْعُ الدِّمَاءِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا إمَّا لِجَبْرِ نَقْصٍ أَوْ لِمُجَرَّدِ التَّبَرُّعِ؛ فَلَا قِيَاسَ مَعَ الْفَارِقِ، فَلَا تَخْصِيصَ" (نيل الأوطار،5/ 126) .

قلتُ: إلا أن الدم الواجبَ لتَركِ واجبٍ -خلا دم التمتع والقران الذي ثبت فيه الدليل- عامةُ أهلِ العلم على عدم جواز الأكل منه.

ومما يدل على استحباب الأكل من هدي التمتع، حديث عائشة المُتَّفَق عَلَيْه: "فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَزْوَاجِهِ"؛ وعائشة كانت قارِنة، وغيرها مِن أزواج النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُنَّ مُتَمَتِّعات بأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأنهن لم يسقن الهدي، وقد أكَلْنَ من هذا اللحم.

الصفحة التالية