تأملات في حجة الوداع (27)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ونحرُ الهَدي مِن الواجبات التي أمر بها الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه، فقال -سبحانه-: ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج:28-29) ، وما زلتُ أتعجَّبُ؛ كيف نَحَر الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كلَّ هذا العدد بيَدِه الشريفة، وأعطى عَلِيًّا فنَحَر ما بقي منها مِن تمام المِائَة ناقة، ثم انتظر حتى قطع مِن كل واحدة قطعة لحم، ثم طُبخ ذلك، ثم أكَل مِن لحمها وشَرب مِن مَرَقها، ثم ركب إلى مَكَّة وطاف قبْل الظهر، وذبحُ البقرة أو البَدَنة عندنا، ربما يستغرق النهار إلى آخره حتى يحقق الإنسان السُنَّة بالأكل منها؛ إذا حرص على اتباع السُنَّة التي أَكَّدَها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأن قصد إلى قطعة لحم مِن كل بَدَنة، ليشرب مِن المَرَق الذي يتضمن جزءًا مِن كلِّ واحدة، لمَشَقَّة الأكل مِن كل واحدة على حِدَتِها كما ذكر النووي -رَحِمَهُ اللهُ-.
ثم رأيتُ العجب أكثر مِن حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ عند أحمد وأبي داود، أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرَّ ) -أي: يوم الحادي عشر من ذي الحجة- وَقُرِّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ، يَنْحَرُهُنَّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ؛ أَيَّتُهُنَّ يَبْدَأُ بِهَا! فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ كَلِمَةً خَفِيَّةً لَمْ أَفْهَمْهَا؛ فَسَأَلْتُ بَعْضَ مَنْ يَلِينِي: مَا قَالَ؟ قَالُوا: قَالَ: ( مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
قال الشوكاني -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَفِي هَذِهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : حَيْثُ تُسَارِعُ إلَيْهِ الدَّوَابُّ الَّتِي لَا تَعْقِلُ لِإِرَاقَةِ دَمِهَا تَبَرُّكًا بِهِ؛ فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ؛ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا النَّوْعُ الْبَهِيمِيِّ أَهْدَى مِنْ أَكْثَرِهِ وَأَعْرَفَ؟ تَقْرُبُ هَذِهِ الْعُجْمُ إلَيْهِ لِإِزْهَاقِ أَرْوَاحِهَا وَفَرْيِ أَوْدَاجِهَا، وَتَتَنَافَسُ فِي ذَلِكَ وَتَتَسَابَقُ إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهَا لَا تَرْجُو جَنَّةً وَلَا تَخَافُ نَارًا، وَيَبْعُدُ ذَلِكَ النَّاطِقُ الْعَاقِلُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ يَنَالُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ النَّعِيمَ الْآجِلَ وَالْعَاجِلَ وَلَا يُصِيبُهُ ضَرَرٌ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ! حَتَّى قَالَ الْقَائِلُ مُظْهِرًا لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى قَتْلِ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "أَيْنَ مُحَمَّدُ؟ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا!"، وَأَرَاقَ الْآخَرُ دَمَهُ وَكَسَرَ ثَنِيَّتَهُ؛ فَانْظُرْ إلَى هَذَا التَّفَاوُتِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنْهُ إبْلِيسُ، وَلِأَمْرٍ مَا كَانَ الْكَافِرُ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ" (انتهى كلامه مِن نيل الأوطار 5/ 155) .
وإنما نَفَرَت مِنَّا الحيوانات لِبُعدِنا عن هدي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وسَمْتِه ورحمته وشفقته؛ وكلما اقتربنا كلما يَسَّر الله لنا أمرنا، وأعاننا على التزام كتابه وسُنَّة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وسَخَّر لنا ما حولنا مِن الكائنات تعيننا على ذلك.
ولم يَذكر جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في حديثه هنا حلق النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد نَحرِه هَديه، ولقد ثبت في صحيح مسلم وأحمد وأبي داود عن أنس، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: ( خُذْ )، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ )، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ )، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا، وفي الثالثة قَالَ: ( وَلِلْمُقَصِّرِينَ ) (متفق عليه) .
وفيه: استحباب البَدَاءَة في حَلْقِ الرأس بالشق الأيمن مِن رأس المحلوق، وهو مذهب الجمهور.
وقوله: "ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ": فيه: مشروعية التبرك بشَعر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وآثاره، وهو مِن خصائص الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-؛ لقول الله -عَزَّ وَجَلَّ- : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ) (البقرة:248) ، أما غيرهم مِن أهل الفضل: فإن الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- تَرَكوا التبرُّك بآثار أفضل الناس بعد الأنبياء؛ أصحاب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، والعشرة المبشرين بالجنة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان؛ فلم يتبركوا بشَعر أبي بكر، ولا بنُخَامَة عُمَر، ولا بوَضُوء عثمان، ولا بثياب عَلِيٍّ؛ وهذا كالإجماع منهم، لم يُنقل عنهم حرفٌ في ذلك، سوى ما نُقِل عن فِعلهم ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الدعاء ثلاثًا للمُحَلِّقِين ومَرَّةً واحدة للمُقَصِّرِين دليل على فضل التحليق.