شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"صفقة القرن" كما تتمناها إسرائيل

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد دأبتْ أمريكا على تبني وجهة النظر الإسرائيلية في المسائل التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بما تراه إسرائيل ضروريًّا لأمنها، وقد استطاعت إسرائيل القيام بكثيرٍ مِن التغييرات على أرض الواقع، لفرض تصورها للسلام الذي يمكنها فرضه على العرب في المنطقة وعلى الفلسطينيين في أرضهم، مِن خلال التهويد للقدس، وبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وبناء الجدار العازل، وفرض الحصار الخانق على الفلسطينيين، والهيمنة على مقدرات الأرض ومواردها خاصة المياه، وتسخير السلطة الفلسطينية لخدمة أمن إسرائيل، وإضعاف قدرة حماس والفصائل الفلسطينية على الاستمرار في المقاومة المسلحة.

وقد ساعدها على ذلك: التشتت العربي، وفقد العرب لسياسة موحدة في مواجهة إسرائيل، وتخلي العرب عن دعم المقاومة الفلسطينية، والاقتصار على دعم التوجه الفلسطيني نحو العملية التفاوضية كخيار إستراتيجي ووحيد، في الوقت الذي لا يمتلك فيه الفلسطينيون مِن الأوراق ما يمكنهم به الضغط على إسرائيل لتحقيق مكتسبات حقيقية، في مقابل التعنت والتشدد الإسرائيلي في أي مباحثات، والتملص مِن كافة الاستحقاقات التي تجب عليها فيها، والسعي إلى تجميد المفاوضات والمماطلة في استئنافها؛ إذ ترى أن الوقت الآن في صالحها مِن خلال هضم ما تستطيع هضمه مِن الأراضي التي تحتلها، بحيث لا يتبقى للفلسطينيين إلا ما لا تقدر إسرائيل بالفعل على هضمه منها.

ومِن خلال الرؤية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها، وتبني أمريكا المتوقع لها، وضعف الموقف الفلسطيني في مواجهتها، يمكن تصور ما يمكن أن تطرحه أمريكا مِن خلال رؤيتها للسلام في المنطقة، شريطة أن يكون في اعتبار الإدارة الأمريكية مراعاة بعض المطالب الفلسطينية والعربية مراعاة للمصالح الأمريكية في المنطقة.

ومعلوم أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي ترامب -الذي أعلن في نوفمبر 2016م في مقابلة مع صحيفة (نيويورك) عن رغبته في التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط، وتحقيق ما لم يحققه غيره، ممَن سبقوه في البيت الأبيض- تعكف حاليًا على إعداد صفقة تطمح مِن خلال مكوناتها الأساسية في تحقيق سلام على غرار معاهدتي السلام بيْن إسرائيل وكلٍّ مِن مصر والأردن. وهو ما اصطلح على تسميته عند الكثيرين باسم: (صفقة القرن).

وقد قام العديد مِن رؤساء أمريكا السابقين بجهودٍ لحل القضية الفلسطينية مِن خلال رؤية أمريكية تلتزم بدعم إسرائيل،

ومِن أمثلة تلك الجهود:

1- مشروع (جاما)، حينما قام الرئيس الأمريكي (روزفلت أيزنهاور) بتكليف (روبرت أندرسون) بالعمل سرًّا مع (بن جوريون) و(عبد الناصر) في النصف الأول مِن الخمسينيات بوضع رؤية لتحقيق السلام، ولكن المشروع فشل.

2- في عام 1974م قام الرئيس الأمريكي (نيكسون) في الأيام الأخيرة لرئاسته بالسفر إلى مصر وإسرائيل وسوريا، في محاولة لبناء أسس للسلام، ولكنه فشل أيضًا.

3- محاولات الرئيس الأمريكي (كارتر) التي أسفرت في النهاية عن سلام منفرد بيْن مصر وإسرائيل، وملحق اتفاقية حكم ذاتي للفلسطينيين.

4- قدَّم الرئيس الأمريكي (ريجان) خطته للسلام في سبتمبر 1982م، ولكنها باءت أيضًا بالفشل.

5- قيام الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) في صيف عام 2000م باستضافة الزعيم الفلسطيني (ياسر عرفات) ورئيس وزراء إسرائيل وقتها (إيهود باراك) في (كامب دافيد)، ثم قدم بعد هذه الاستضافة بعدة أشهر معاييره لتسوية النزاع، ولكنه فشل بسبب التعنت والتسويف الإسرائيلي الذي أجهض تلك المحاولة.

6- استضافة الرئيس الأمريكي (بوش الابن) لمؤتمر للسلام في (أنابوليس) في نوفمبر 2007م، لكنه لم يسفر عن نتائج ملموسة.

7- أعطى الرئيس الأمريكي (أوباما) لهذه القضية أولوية، لكنه أعرب عن أسفه بعد فشل وزير خارجيته (جون كيري) بعد جهودٍ مكثفةٍ لمدة تسعة أشهر انتهت في ربيع 2014م دون التوصل لاتفاق سلام.

فائدة هامة:

شهدت فترة الخمسينيات مِن القرن العشرين عدة مشاريع للسلام تقوم على تصور أن القضية الفلسطينية ليستْ إلا قضية لاجئين فلسطينيين مشردين، خاصة بعد انتهاء حرب 1948م بهزيمة الجيوش العربية وتوقيع اتفاقات هدنة دائمة بيْن إسرائيل والدول العربية، فكانت هذه المشاريع تدور حول إعادة توطين هؤلاء اللاجئين.

ومِن أمثلة هذه المشاريع:

1- مشروع (جاما) الأمريكي: حيث حصل الرئيس الأمريكي في عام 1955م على موافقة (بن جوريون) و(عبد الناصر) على عقد لقاءٍ سري على متن يخت في البحر الأبيض المتوسط، ولكن عبد الناصر اشترط موافقة إسرائيل على مبدأ عودة الفلسطينيين الراغبين في العودة، وحصول مصر على ممرٍ بري يوصلها بالأردن، وقد فشلت المحاولة لرفض إسرائيل تقديم أي تنازلات.

2- مشروع (دالاس) الأمريكي: حيث عرض (دالاس) وزير خارجية أمريكا تعاون الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي في استثمار مياه نهر الأردن، وقد رفض مؤتمر اللاجئين المنعقد في القدس في 20 مايو 1955م هذا المشروع.

3- تعاون الحكومة المصرية مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وباتفاق مع واشنطن في عام 1954م على تنفيذ مشروع: (مشروع سيناء)؛ لتوطين لاجئ قطاع غزة في شمال غرب سيناء، ولكن المشروع قوبل بمعارضةٍ شديدةٍ مِن الفلسطينيين، تجلت في اندلاع مظاهرات في قطاع غزة عقب عدوان عسكري إسرائيلي مساء 28 فبراير 1955م على قطاع غزة ذهب ضحيته 39 جنديًّا مصري وفلسطينيًّا وسودانيًّا، حيث طالب المتظاهرون عبد الناصر بإيقاف المشروع، وإطلاق حرية إصدار صحف وتأسيس نقابات، وتحصين القطاع، وتسليح وتدريب أهله، وتكوين جيش تحرير فلسطيني، وقد لبى عبد الناصر طلب المتظاهرين بإيقاف مشروع سيناء، واستفاد عبد الناصر مِن تلك المظاهرات في إدارة ظهره لأمريكا، التي ظل لمدة ثلاث سنوات متصلة يطلب منها تسليح الجيش المصري دون جدوى؛ مما دفعه للتوجه بطلب السلاح مِن الاتحاد السوفيتي، واستجابت (موسكو) لطلبه، فكانت صفقة السلاح التشيكية لمصر.

الصفحة التالية