دعوة إلى الإلحاد والعمل المسلح (رؤية نقدية لفيلم قناة الجزيرة: في سبع سنين)
أحمد الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مدخل:
شاهدتُ الفيلم الوثائقي الذي أنتجته "قناة الجزيرة القطرية" تحت عنوان: "في سبع سنين"، والتي زعمتْ أنها تحاول مِن خلاله أن ترصد التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر بعد ثورة 25 يناير!
حسنًا... فالهدف في حدِّ ذاته لا غبار عليه، بل قد يكون على درجةٍ مِن الأهمية؛ خاصة لكلِّ مَن يتصدَّى لعلاج مشكلات المجتمع وأزماته، لا سيما في جيل الشباب.
والأمر الثاني: أن أيَّ مراقبٍ للوضع العام في مصر -وفي غيرها مِن البلاد العربية والإسلامية- يتأكد لديه أن هناك بالفعل تطورات وتغيرات طرأت على البنية الأخلاقية والثقافية لعددٍ مِن الشرائح والطبقات داخل المجتمع، ويقع الشباب أيضًا في القلب مِن هذه التغيرات.
هذه القناعات جعلتني لا أتخذ مِن الفيلم موقفًا متشنجًا أو متصلبًا قبْل رؤيته؛ فلعل "قناة الجزيرة" تتحفنا بعملٍ منصفٍ وموضوعيٍ -ولو على سبيل الندرة!-، ولكني صُعقت بعد أن شاهدت الفيلم وأعدت رؤيته أكثر مِن مرة، ورغم أن الناقد لا بد أن يكون حانيًا بقدر ما يكون حازمًا؛ إلا أن ما استقر في نفسي بعد مشاهدة الفيلم أنه ليس رصدًا أمينًا للتحولات المجتمعية بقدر ما هو دعوة صريحة للكفر والإلحاد والتمرد على القيم والثوابت!
وكما أن التمرد والثورة على المألوف قادت بعض الشباب المتدين إلى الإلحاد، فإن التمرد ذاته قاد البعض الآخر إلى حمل السلاح والانضمام إلى التنظيمات المسلحة خارج البلاد.
وهكذا كانت عين قناة الجزيرة، التي لم ترَ في مصر إلا نموذجين متطرفين:
الأول: خرج مِن الإيمان إلى الكفر.
والثاني: انتقل مِن الاعتدال إلى التكفير؛ أما آلاف المساجد وملايين المصلين، والشباب الملتزم الذي يملأ المدارس والجامعات؛ فإن عين الجزيرة لم تشأ أن تنظر إليهم أو تعتبر وجودهم!
مقدمة:
بدأ الفيلم بالحديث عن المقولة الشائعة: "الشعب المصري متدين بطبعه"، وأن الشعب المصري هو أكثر شعوب العالم تدينًا، واستشهد الفيلم بإحصاء "مؤسسة جالوب الأمريكية للأبحاث"، حيث ذكرتْ في عام 2009 أن 80% مِن نساء مصر محجبات، ثم خاض بنا الفيلم رحلة مريبة لمدة 60 دقيقة، انتهى منها إلى أن الإحصائيات التي قام بها مركز الجزيرة في عام 2017م تؤكِّد أن حالة التدين في المجتمع المصري قد انتكست وتغيرت للأسوأ.
فوفقًا للجزيرة فإن الشباب مِن سنِّ (18 – 35) عامًا، تبلغ نسبة الملحدين فيهم 4% واللاأدرية 6. 5%، بينما 24% لا يعتبرون الحجاب فرضًا دينيًا، أما الذين يؤيدون العمل المسلح ويرونه حلًا وحيدًا للتعامل مع السلطة فتبلغ نسبتهم 11%، وكفى بهذه النسب إثباتًا لحجم الخطر على المجتمع، وتأكيدًا للتغير على المجتمع "المتدين بطبعه" -كما ذكر الفيلم في أول مشاهده-.
في البداية: نود التأكيد على أن هناك تحولات عنيفة طرأت على البنية المجتمعية المصرية خلال السنوات السابقة، ومَن يتجول في ساحات الكليات والجامعات والمنتديات الشبابية على السوشيال ميديا وغيرها، يدرك حجم التغير الذي طرأ على هذا الجيل مِن الشباب، وليس مِن العقل أن نتعامى عن الواقع أو ندفن رؤوسنا في الرمال، لكن الخلاف مع قناة الجزيرة يتمثِّل في عددٍ مِن المحاور كما يلي:
1- دور قناة الجزيرة في التثوير خلال سبع سنين.
2- الأدوات التي اعتمدت عليها الجزيرة في رصد الظاهرة.
3- النسب التي توصلت إليها في الدراسة المبهمة التي قامت بها.
4- الانتقائية في رصد التحولات بما يوحي بأن التحولات كلها سلبية وضارة.
5- الجرأة في عرض الانحرافات دون تعقيب أو ردٍّ.
6- غياب الحلول المقترحة للتعامل مع الحالة.
أولًا: دور قناة الجزيرة في التثوير خلال سبع سنين:
الثورة عبارة عن حالةٍ مِن حالات الخروج عن النسق، ولأن الثورات في معظمها تكون أسبابها سياسية، فالثورة عادة ما تخرج عن الإطار القانوني والسياسي للنظام بغرض تعديله أو تغييره أو لأي هدفٍ آخر، ثم تعود الحياة لتنتظم مرة أخرى، فليس مِن المنطقي أن تعيش الشعوب في حالةٍ مِن الفوضى والعشوائية وإلا تحول الوطن إلى غابة.
ولكن كثيرًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فربما لا يسقط النظام، وربما لا يعود النظام المجتمعي كما كان قبْل الثورة مستقرًا وهادئًا، وعلى أحسن الأحوال تنتقل حمى التثوير لتقتحم مساحات لا يجوز فيها الثورة، مثل الثورة على الدين والقيم والأخلاق، ومثل شيوع روح التمرد والتحرر مِن كل شيء، ومثل الانفتاح غير المحدود على الثقافات والأفكار والأيدولوجيات؛ لذا فإن كل مذهبٍ أو فكرٍ يرى في الثورة فرصة ذهبية للتمدد والانتشار والتجنيد المفتوح.
هذه أقل الآثار السلبية المترتبة على اندلاع الثورات؛ لذلك يتأنى دعاة الإصلاح كثيرًا وهم يتعاملون مع مثل هذه النوازل لمعرفتهم بنتائجها وعواقبها، ولكن العجيب أن تأتي قناة الجزيرة الآن لترصد لنا التغيرات التي حدثت في مجتمعاتنا، وهي كانت -ولا تزال- المحرِّض الأول على التثوير الدائم، والمواجهة المستمرة؟!
هل تدرك الجزيرة الآن وهي ترتدي ثوب الناصح المشفق أن خطابها الإعلامي وبرامجها الموجهة كانت أحد أهم الأسباب التي دفعت الشباب إلى ارتياد هذه الطرق المنحرفة؟!
ألم تكن الجزيرة محرضًا أساسيًّا على العمل المسلح، وداعية مباشرة إلى العنف والتطرف، وكانت شاشاتها لا تمل مِن نقل فاعلياتٍ مزورةٍ ومكذوبةٍ مِن كافة أنحاء الجمهورية؛ لتوهم المشاهدين في بيوتهم أن الثورة ساخنة وأن الميادين مشتعلة، بينما إذا تركت الشاشة ونزلت بنفسك إلى الموقع المشار فربما وجدت بضعة أشخاص في ممر جانبي أو زقاق، وربما لم تجد أحدًا، بينما تظل شاشة الجزيرة طوال اليوم تعرض المشاهد وتتلقى المكالمات وتستقبل الضيوف، والجميع يؤكد أن الثورة مستمرة وأن النظام يترنح؟!
فهل تقبل الجزيرة أن نتهمها بأنها أحد مِن شارك في صناعة هذا التغير السلبي الذي طرأ على الشعب المصري، أم أنها لا تجيد سوى الهجوم وإلقاء التهم فحسب؟!
ثانيًا: الأدوات التي اعتمد عليها الفيلم في رصد الظاهرة:
قام الفيلم بالتسجيل مع شابين وفتاتين، الرابط بينهم جميعًا أنهم مِن أسرٍ متدينة، بل كانوا منتمين في الأغلب لجماعاتٍ أو تياراتٍ دينيةٍ.