دعوة إلى الإلحاد والعمل المسلح (رؤية نقدية لفيلم قناة الجزيرة: في سبع سنين)
أحمد الشحات • حدث وتعليق
فالشاب الأول "حسن": كان منتميًا إلى جماعة الإخوان، وكان مِن أسرة إخوانية عريقة، وكان مرشحًا بقوة أن يكون حسن البنا الثاني -كما ذكر!-.
والشاب الثاني: شاب جامعي من مؤسسي أسرة صناع الحياة في جامعته، وكان مِن فريق الأستاذ "عمرو خالد".
أما الفتاتين: فالأولى: "سُنَّة" كانت تنتمي إلى التيار السلفي، ومِن أسرة متدينة، وكانت تحضر دروس العلم في المساجد، وذكرت أنها ارتدت النقاب في سنِّ 16، بكامل حريتها واختيارها.
أما "إسراء": فقد ارتدت الحجاب في سن 11، بكامل حريتها أيضًا، وكانت متدينة تدينًا عامًّا دون الانتماء لأيٍ مِن الجماعات أو الأحزاب.
وبالتالي: فمخرج الفيلم أراد أن يحصر كل صور التدين التي كانت منتشرة بيْن الشباب في ذلك الوقت، فهناك المتدين دون انتماء، وهناك المتدين بنكهةٍ منفتحةٍ: "مثل عمرو خالد"، وهناك المتدين المنتمي لجماعة: "مثل السلفي والإخواني"، وكما أنهم اتفقوا في مبدأ التدين، فقد حرص المخرج على أن يتفقوا في المآل والنتيجة، وللأسف كانت النتيجة واحدة وهي الخروج مِن الملة!
فالفتاة السلفية المنتقبة خلعت الحجاب تمامًا، وقالت عن نفسها: "إنها غير مسلمة!"، وإنها غير متخيلة لوجود الرب -سبحانه وتعالى-!
بينما الفتاة المتدينة بطبعها خلعت الحجاب أيضًا، وقالت عن نفسها: "إنها كافرة!".
أما الشاب الإخواني الذي كان مرشحًا أن يكون حسن البنا؛ فقد حرص المخرج على تصويره مرة وهو يشرب الدخان، ومرة وهو في البار، وقد انتهى به الأمر إلى الإلحاد وإنكار وجود الرب، والرابع الذي كان مِن أسرة صناع الحياة تحول إلى مرحلة الشك وصار "لا أدريًّا!".
وفي آخر دقيقتين من الفيلم تعرّض المخرج لتجربة شاب مسيحي، كان معتادًا على الخدمة في الكنيسة والذهاب لها بانتظام، ولكنه تحول أيضًا وأصبح "ملحدًا".
وفي الجزء الأخير مِن الفيلم قام المخرج بالتصوير مع ثلاثةٍ مِن الشباب ممَن تحولوا إلى العمل المسلح، وحرص أيضًا على أن يسجِّل معهم في مخابئهم وثكناتهم، وهم بملابسهم العسكرية ويحملون رشاشاتهم وذخيرتهم الحية، بل قام بالتسجيل مع أحدهم في ساحة المواجهة خلف أكياس الرمل!
وسبب تحول هؤلاء الشباب إلى العمل المسلح متفاوت بين إعلان 3/7 وما بين فض رابعة 14/8، وما بين أحداث مسجد الفتح برمسيس 16/7، وما بين الاعتقال والتعذيب.
وبالتالي فالمخرج هنا محدد الهدف تمامًا، فالرجل يريد مِن الشباب الآن إما أن يكونوا ملحدين منسلخين عن الدين والأخلاق والقيم؛ ولذا حرص على تصوير الشاب وهو يشرب الخمر في البار، أما الفتاة فتلبس البنطال الضيق وتطلق شعرها في الهواء، أما مَن لا يناسبه أن يشرب الدخان أو تلبس البنطال، فلتخرج أو فليخرج من "القرية الظالم أهلها"، ولينضم إلى عصابات السلاح التي تمتهن القتل هنا وهناك باسم الجهاد!
ولا مجال للحديث عن شباب صالح أمين يبحث عن الخير لدينه ولأمته ووطنه، فالمخرج لا يريد أن يُبقي لهذا الشباب نسبة أو تأثيرًا، وسوف ينخدع المشاهد باللقطات التمثيلية والمشاهد المختارة بعناية، فيظن أن هذا هو الواقع، وما عليه إلا أن يختار أحد هذين الطريقين! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثالثًا: النسب التي توصّل إليها الفيلم:
ربما يقول قائل: أنا أعرف فلانًا ترك الالتزام تمامًا، وآخر ترك الدين بالكلية، وربما تقول قائلة: أعرف مَن خلعت الحجاب أو النقاب، أو مَن أصبحت تؤيد العلاقات التحررية المفتوحة، وربما، وربما.. وأنا أقول إني أعرف أمثلة على ذلك أيضًا، ولكن كم النسبة؟ وما هي الأرقام الصحيحة؟ وهل هناك حالة مِن حالات الردة في المجتمع -إن صح التعبير-؟ وهل أصبحت العلاقات الجنسية على المشاع والعلن في طبقات الشباب المختلفة؟!
إن الذي يرصد الظاهرة مِن أجل وضع الحلول لا بد أن يكون دقيقًا وأمينًا، أما مَن يرصد الظاهرة بغرض الدعوة إليها والترويج لها -كما فعل مخرج الفيلم-؛ فإنه يميل إلى المبالغة والتهويل.
ويبقى أن الدراسة التي قامتْ بها الجزيرة دراسة مبهمة لا يمكن الثقة في نتائجها، فالدراسة لم توضِّح لنا طبيعة العينة التي تم إجراء الاستبيان على أساسها، فالدراسات الميدانية لا بد أن تكون معلنة وموثقة ومحكمة، فأين هي الدراسة، وأين البيانات وكشوف الاستطلاع، وأين جهة التحكيم والاعتماد؟!
إذا لم يكن كل هذا معلنًا، فالنتائج التي توصلت إليها الدراسة هي والعدم سواء.
رابعًا: الانتقائية في رصد التحولات:
التحولات في أعقاب الثورات مِن المسلَّمات المقطوع بصحتها، ولكن هل كانت كل التحولات المجتمعية سلبية وقاتمة إلى هذه الدرجة، أم أن المخرج هو الذي قرر أن تكون كذلك؟! هل تجاهلت عدسة المخرج نسبة الوعي والنضج لدى شباب هذا الجيل عن سابقه، حيث إنه أصبح قادرًا على التمييز بيْن أنواع الخطاب، وأساليب التوجيه، وطرق التأثير سواء في المجال الدعوي أو السياسي.
هل تغافلت دراسة المخرج الميدانية عن شرائح مِن الشباب تُقبل على الالتزام، وتسعى لتعلم العلم، في الوقت نفسه الذي يعاني فيه آخرون مِن الإحباط واليأس وضبابية الرؤية؟! هل رصد المخرج نسبة الإقبال على التسجيل في برامج الدراسات العليا في مختلف الجامعات؟!
الشاهد: أن هناك بالفعل تحولات سلبية وخطيرة طرأت على عالم الشباب تحتاج منا إلى الإسراع في برامج علاجية، وخطط وقائية تحمى الشباب والفتيات مِن الانحراف بكل أنواعه، كما أننا نحتاج إلى السعي الدائم نحو استزراع الخير ونشره وتوسيع رقعته.
خامسًا: الجرأة في عرض الانحرافات وتجميل صورتها:
كما هو معلوم فالفيلم المعروض مسجل وممنتج سلفًا؛ بمعنى أنه ليس على الهواء، فكل كلمة جاءت في ثنايا الفيلم مقصودة ومرادة.
والملاحظ: أن الفيلم مكتظ بعددٍ مِن الشبهات التي يثيرها الملاحدة، ومكتظ كذلك بعددٍ مِن المفاهيم المغلوطة التي تؤدي إلى الانحراف الفكري أو السلوكي.
فالفتاة المنتقبة: ارتدت النقاب على أنه حماية لها، لكنه لم يحميها، بل تعرضت للضرب والإيذاء مِن مجموعة مِن الشباب داخل المترو، فاهتزت ثقتها فيما تعتقد فخلعته! أما تركها للدين فكان بسبب زوجها الذي كان يعاملها بشكلٍ سيئ ويقوم بضربها وإيذائها!