دعوة إلى الإلحاد والعمل المسلح (رؤية نقدية لفيلم قناة الجزيرة: في سبع سنين)
أحمد الشحات • حدث وتعليق
ولا أدري ما هو الرابط بيْن هذا الأمر وبين أن تترك الدين بالكلية، لينتهي بها الأمر إلا أنها غير متخيلة لوجود الرب، وغير قادرة أن تتحدث إليه؟!
والشاب "حسن": كان إخوانيًّا خالصًا، ولكن مات أصدقاؤه وأقرباؤه في أثناء مواجهات الإخوان مع الدولة في أحداث المنصة، وفض رابعة، وغيرها، وكانت الصدمة الكبرى موت شقيقه الأكبر في أحداث رمسيس، ففقد الثقة في كل شيءٍ وفي كل أحدٍ، فقرر أن يخرج مِن الإخوان، ولكنه لم يكتفِ بذلك فقرر أن يخرج مِن الإسلام أيضًا، وأشار الفيلم أنه يتحدث عن الذات الإلهية بشيءٍ مِن الحدة والسوء.
والشاب الثاني: لم يكن لديه كبير أزمة سوى أنه رأى الأستاذ عمرو خالد دون مستوى الحدث في التعاطي مع المواقف السياسية، وأنه كان ينتظر منه موقفًا إيجابيًّا وواضحًا، فإذا به يلوذ بالصمت؛ فقرر الشاب أن يبدأ مرحلة الشك حتى يصل إلى الإيمان، وأفسح له البرنامج أن يؤصِّل إلى الإلحاد فيقسِّم الناس إلى أربعة أقسامٍ: "مؤمن، وملحد، زلا أدري، ولا اكتراثي"، ثم يترك المشاهد بعد ذلك أمام عاصفة مِن التساؤلات والألغاز.
أما "إسراء": فرغم أنها لم يكن لديها مشكلة مع الحجاب ولا مع الجماعات، حيث إنها لم تكن منتمية لأحدٍ، إلا أنها وهي تتحدث في إحدى الفاعليات السياسية عن الحرية، وتشجع الشباب على الخروج مِن أسر الظلم، أوحى لها شيطانها أن الحجاب نوع مِن الأسر، وأنه لا يستقيم أن تتحدث عن الحرية بينما هي أسيرة للحجاب، وحتى يتشجع الفتيات على تقليدها، حرص المخرج على أن يسلط الضوء على الصعوبة النفسية التي مِن الممكن أن تواجه أي محجبة قررت أن تخرج للطريق بلا حجابٍ، وذكرتْ أنها ترددت وبكت وخافت مِن تعليقات المحيطين، وسهام الناقدين.
ولكن ما أن تغلبت على هذه الصعوبة حتى انطلقت نحو الكورنيش وشعرها يطير في الهواء، وكانت هذه اللحظة أسعد لحظات حياتها، وكأن المخرج يرسم للفتيات خطة عملية لخلع الحجاب!
ولم تذكر "إسراء" لماذا أصبحت "كافرة" سوى أنها رأت أن موقف الإسلاميين مِن أحداث محمد محمود مخزيًا، فالتحقت بإحدى حركات اليسار، ومِن هنا تركت الدين! كما أنها نظرت إلى الشرِّ والحروب والفقر والظلم، فوجدت أنه يستحيل أن يسمح الرب بهذا كله، وبما أن كل هذه الشرور موجودة بالفعل، فالرب إذًا غير موجود!
وعلى الجانب الآخر: فقد نقل الفيلم كلمات الشباب الذين توجهوا إلى العمل المسلح، فمنهم مَن يصف المجتمع بأنه فاسد وسيئ وراضٍ بالظلم، وآخر يصف المجتمع بأنه ينطبق عليه وصف القرية الظالم أهلها، وآخر يعلن أن السلاح لا يُواجَه إلا بالسلاح، وما دامت الدولة تواجهنا بالسلاح، فلا طريق سوى المواجهة المسلحة، فإما التغيير، وإما الموت.
ولم يفُت المخرج أن يبرِّئ الإخوان مِن تهمة العنف، بل ردد الكلمة الشهيرة: "انتهى عصر السلمية"، وأن إصرار الإخوان على السلمية هو الذي أدَّى بنا إلى هذه الحالة!
والطريق مِن وجهة نظرهم هو في الخروج من البلد وحمل السلاح، والانضمام إلى التنظيمات المسلحة مِن أجل القتال، فالعودة إلى الحياة الطبيعية أصبحت غير ممكنة -وفق تعبيرهم!-.
سادسًا: الحلول التي قدَّمها الفيلم للتعامل مع الواقع:
الفيلم -كما ذكرنا- اكتفى بتسليط الضوء بقوةٍ على الانحرافات، وتركها بلا إجاباتٍ، بل سعى لتجميلها في بعض الحالات، مثل موقف الفتاة التي خلعت الحجاب وشعرت بالانطلاق والحرية؛ فهل التزم الفيلم بأن يقدِّم الرد على الشبهة مثلما بذل جهده في عرضها وتزيينها؟!
هل وضَّح للفتاة المنتقبة أن تعرضها للإيذاء على يد مجموعةٍ مِن السفهاء لا يدفعها إلى ترك ما أمرها الله به، ولو كان الإيذاء مسوِّغًا لترك الواجبات وفعل المحرمات لما عبد الله على ظهر الأرض أحد، كما أن المصائب يقدِّرها الله على العباد؛ ليختبر صدق إيمانهم، ويرفع بها درجاتهم، فليس مجرد موت أخٍ أو صديقٍ أو قريبٍ يدفع الإنسان إلى الخروج مِن الدين.
وليس وجود الشر والفساد في الأرض دليلًا على غياب الرب -جلَّ وعلا-؛ فالملائكة عندما قالوا لربهم: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) قال لهم: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:30) ؛ فهذا الشر غير خافٍ على الله -عز وجل- فهو العليم الخبير، ولكن قدَّر الله وجوده ليميز الخبيث مِن الطيب، ومع ذلك فالله لا يرضى عن الظلم أو الكفر، ولا يحب الظالمين ولا الكافرين، ولم يأمر الله أحدًا بذلك، بل أمرنا جميعًا بالعدل والبرِّ والإحسان.
أما مَن اقتنعوا بأن المواجهة بالسلاح هي الحل، فيكفيهم أن ينظروا في مآلات هذا الطريق عبْر التاريخ؛ فضلًا عن أن يعلموا خطأ هذا الطريق مِن الناحية الشرعية، وأن هذه المواجهات التي تتم في البلاد الإسلامية مع السلطات والأنظمة ليس هي الجهاد الذي يحبه الله ويرضاه؛ فالجهاد يكون مع الكفار المعلوم كفرهم، لا الذين نكفِّرهم بأهوائنا ثم نستحل قتالهم وقتلهم!
وكان مِن الممكن التماس بعض الدوافع الخَيِّرة لصناع الفيلم؛ إذا توازنوا في عرض القضية، أو ردوا على ما أثير مِن شبهاتٍ، ولكن الفيلم انتهى بمشهدٍ يبعث على الإحباط واليأس مِن الإصلاح، مع انعدامٍ للثقة وتشجيع للثورة على الثوابت، وزرع الشك في المعتقدات، وأنه ليس هناك أمل في العلاج أو الخروج مِن الأزمة؛ فإما أن تصبح منحلًا، أو تصبح متطرفًا؛ فهذان هما الخياران اللذان حَصَر فيهما المخرجُ طريقَ الخلاص!
وإنا لله وإنا إليه راجعون.