تأملات في حجة الوداع (29)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِطْلَاقَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا فَاتَ وَقْتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لِلْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا، كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ) (النساء:103) ، وَقَوْلِهِ: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ) (الجمعة:10) ، وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ) (البقرة:200) ؛ فَالْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللهُ-، يُرِيدُ بِالْقَضَاءِ فِي كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا تَدَارُكًا لِشَيْءٍ عُلِمَ تَقَدّمَ مَا أَوْجَبَ فِعْلهُ فِي خُصُوصِ وَقْتِهِ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِهِ أنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إِلَى اللَّيْلِ فَمَا بَعْدَهُ أَنَّهُ قَضَاءٌ، يَلْزَمُ بِهِ الدَّمُ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَمْيَ يَوْمٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قَضَاءٌ لِعِبَادَةٍ خَرَجَ وَقْتُهَا بِالْكُلِّيَّةِ اسْتِنَادًا لِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ عِبَادَةٌ مُوَقَّتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذْنُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِعْلِهَا فِي وَقْتٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْمُوَقَّتَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِبَادَةُ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي بِالْإِجْمَاعِ فِي وَقْتٍ مَعْرُوفٍ، وَيَأْذَنُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِعْلِهَا فِي زَمَنٍ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا، فَهَذَا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ؛ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِعْلِ الْعِبَادَةِ الْمُوَقَّتَةِ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ وَقْتِهَا عُلِمَ أَنَّهَا أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ، وَالْأَدَاءُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ هُوَ إِيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْوَقْتُ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُنَا إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ بِالرَّمْيِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِهِ، بَلْ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْرٌ بِقَضَائِهِ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي رَابِعِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ قَضَاءُ الرَّمْيِ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ لَجَازَ الرَّمْيُ فِي رَابِعِ النَّحْرِ وَخَامِسِهِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْقَضَاءُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا فَاتَ وَقْتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالصَّلَاةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ أَدَاءٌ عِنْدَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ صَلَّى بَعْضَهَا فِي آخِرِ الضَّرُورِيِّ وَبَعْضَهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ فَهِيَ أَدَاءٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" وَعَرَّفَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ الْأَدَاءَ وَالْوَقْتَ وَالْقَضَاءَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِقَوْلِهِ:
فِعْلُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتٍ عُيِّنَا ... شَرْعًا لَهَا بِاسْمِ الْأَدَاءِ قُرِنَا" (أضواء البيان، 4/ 467 - 469) .
والصحيح -فيما ذكره مِن المسائل-: جواز الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه مِن أيام التشريق؛ لأنه داخل في معنى المساء، وإنما يشرع الرمي مساءً، ولم يوقِّت لنا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انتهاء الرمي عند الغروب؛ فدَلَّ ذلك على جواز الرمي ليلًا، في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي.
وأما الرمي في يومٍ آخر مِن أيام التشريق؛ فما ثبت فيه الترخيص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومِن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر، مع تفسير الإمام مالك الواضح لذلك أن يرموا يوم النحر، ثم يتركوا يوم الحادي عشر، ثم يرموا يوم الثاني عشر، أولًا ليوم الحادي عشر ثلاث جمرات ثم ليوم الثاني عشر ثلاث جمرات، ثم إن شاءوا نفروا مِن منى وإن شاءوا رموا يوم الثالث مع الناس، فكل ذلك جائز؛ دَلَّ ذلك على أن مَن كان معذورًا جاز له أن يَجمع رميَ يومَي الحادي عشر والثاني عشر في اليوم الثاني عشر، والله أعلم.
ولا يكون في ذلك قضاء ولا دم؛ لأنه معذور، والله أعلم، ومَن لم يكن معذورًا فقد تَرَك ما وَجَب عليه؛ فعليه الدم، والله أعلم.
فالخلاصة: أن آخر وقتٍ للرمي في أيام التشريق هو طلوع الفجر مِن الليلة التي تلي اليوم الذي وَجَب فيه الرمي، يبدأ بالزوال وينتهي بطلوع الفجر، ولا قضاء عليه، وإن كان معذورًا جاز أن يرمي مع اليوم الذي يليه، والله أعلم.
ويستحب التأخير في أيام التشريق لليوم الثالث، ويقف للدعاء كما فعل في اليومين الأوَّلَين مِن أيام التشريق، لفِعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذلك، فإنه إنما خرج مِن منى يوم الثالث عشر بعد أن رمى الجمرة، وصلى الظهر بالمُحَصّب؛ صَلَّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والمُحَصّب هو المكان المعروف حاليًا بـ: "المعابدة"، وهذا دليل على أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يجعل صلاة الظهر بعد الرمي، على الأقل في اليوم الثالث، والله أعلى وأعلم.