الفساد (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
خطورة الفساد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيُعد انتشار الفساد بأنواعه مِن أخطر المشكلات العالمية التي تعاني منها كل دول العالم عمومًا "والدول النامية خصوصًا"، بما في ذلك الدول المتقدمة، وهي مشكلة تؤثِّر سلبًا بدرجةٍ كبيرةٍ على تقدم ونمو الدول، فمظاهر وصور الفساد المختلفة لا يخلو منها مجتمع مِن المجتمعات، قلَّتْ أو كثرت؛ لذا فمقياس تقدم الدول مرهون بمدى قدرتها على مكافحة مظاهر الفساد فيها والحد منها والسيطرة عليها عبْر سبل ووسائل مكافحة الفساد الفعَّالة والمفعلة.
وقد قام المجلس الأوروبي في عام 1992م بإنشاء فريقٍ متعدد التخصصات معني بالفساد، وحذت حذوه العديد مِن الهيئات الدولية.
وفي عام 1998م أعلن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: أن محاربة الفساد تمثِّل أحد المعايير للإدارة الاقتصادية الجيدة.
وفي عام 1994م تم إنشاء منظمة (الشفافية الدولية) -وهي منظمة غير حكومية-؛ لمكافحة الممارسات الفاسدة، وهي هيئة قامتْ بتمويلٍ مِن مؤسسة فورد الأمريكية تجمع خبراء اقتصاديين ورجال قانون دوليين، وقد عرَّفت منظمة الشفافية الدولية في بداية عهدها الفساد بأنه: "سوء استخدام للسلطة الممنوحة مِن أجل تحقيق منفعة خاصة"، ثم عادت ففسرته في وقتٍ متأخرٍ بعدها بأنه: "السلوك الذي يمارسه مسؤولون في القطاع العام أو الحكومي سواء مِن سياسيين أو موظفين مدنيين بهدف إثراء أنفسهم أو أقربائهم بصورةٍ غير قانونية، ومِن خلال استخدام السلطة الممنوحة لهم"، وهو تعريف يقصر الفساد على النظر إلى العلاقة الآثمة بيْن الثروة والسلطة.
وقد تبنت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي في عام 1997م اعتماد اتفاقية مناهضة للفساد مِن جانب ما يقرب مِن عشرين دولة، وهذا التوجُّه العالمي للتصدي للفساد يعكس وجود ارتباطٍ بيْن مظاهر الفساد والعولمة خاصة مع التغلغل المتزايد لرؤوس الأموال التي جاءتْ كثمرةٍ لأنشطة إجرامية عالمية في الاقتصاد التقليدي للدول مما يجعلها تمثِّل خطورة كبيرة؛ إذ مِن الصعب الكشف عنها والقضاء عليها.
خطورة الفساد:
يُعد الحديث عن الفساد مِن القضايا الهامة، ويزيد مِن أهميته:
1- حساسية الموضوع؛ إذ يمس في الغالب أصحاب النفوذ والقرارات في الدولة؛ مما يتسبب في الشعور بعدم جدوى مواجهته، واليأس مِن تغييره.
2- نتائج الفساد تكاد تفتك بالمجتمع ككل، فهي لا تقتصر على فئةٍ مِن فئات المجتمع دون غيرها، بل تبتلع كل جهود التنمية، وتحول بين المجتمع وبين تقدمه مهما كانت الجهود المبذولة في هذا الشأن.
3- إن الفساد نقيض الصلاح، والإفساد نقيض الإصلاح، والعلاقة بينهما عكسية، فزيادة مساحة الفساد والإفساد في المجتمع يعني بالتالي تقلص مساحة الصلاح والإصلاح في المجتمع، فصلاح المجتمع وإصلاحه مرهون بالقضاء على الفساد والإفساد.
4- إن صور ومظاهر الفساد داخل المجتمع أصبحت كثيرة، ومنتشرة انتشارًا واسعًا وكثيفًا لا يخلو منها جانب مِن جوانب حياتنا السياسية والاقتصادية، والإدارية والاجتماعية، والثقافية والفكرية، فالفساد يدخل شتى الميادين التي نتحرك فيها يوميًّا، قد يكون مِن خلال سوء استخدام آليات في السياسة العامة أو وسائل تنفيذها، وقد يكون الفساد في القطاع العام أو في القطاع الخاص، داخل مؤسسة عامة أو خارجها، وقد يكون مِن خلال موظفٍ عامٍّ، أو مِن عميلٍ له مصلحة شخصية، وقد يكون للحصول على منفعةٍ ماديةٍ أو تحقيق خدمة غير مشروعة، أو خدمة لا يستحقها.
وهذا مما يوجب أن يكون التصدي للفساد عملًا جماعيًّا متكاملًا عن قناعةٍ وإرادةٍ مِن المجتمع ككل؛ حكامًا ومحكومين، مع صبر ومثابرة، ورؤية متكاملة واضحة، فالقضاء على صور ومظاهر الفساد لن يكون في وقتٍ قصيرٍ، ولا بجهودٍ فرديةٍ، ولا مِن خلال رؤية قاصرة تفتقد العمق والشمولية، ولا مِن جهودٍ تنقصها العزيمة والإصرار.
5- إن القضاء على الفساد قضاءً كاملًا غير وارد، وكل مكتسبات في هذا الشأن يحتاج استمرارها وبقائها إلى استمرار الوعي والجهد في مكافحة الفساد؛ فهي عملية لا نهاية لها لحفظ المجتمع وأجياله القادمة مِن نتائج وويلات الفساد.
6- إن صور الفساد تتفاوت تفاوتًا كبيرًا، وبالتالي تتفاوت نظرة المسؤولين وفئات المجتمع المختلفة لها، بل وتتفاوت القوانين في المسائلة والمعاقبة عليها، وهذا يجعل النظرة تبدو متفاوتة لصورٍ مختلفةٍ مِن الفساد -على اختلافها-؛ مما يقلل مِن فرص التصدي لها عند الكثيرين، والواجب رفض كل صور ومظاهر الفساد وإن تفاوتت النظرة المجتمعية لها والمساءلة القانونية عليها.
7- إن مِن صور الفساد ما هو في صورة تحصيل خدمات واكتساب أولويات وجلب منافع ليست مالية، قد يصعب اكتشافها مِن جهة، ويصعب تقدير قيمتها ماليًّا مِن جهةٍ أخرى، وقد تتم على مراحل زمنيةٍ طويلةٍ، وضبط مثل هذه الصور والمساءلة عليها تحتاج إلى درجةٍ عاليةٍ مِن وعي المسؤولين خاصة "والمواطنين عامة" بأساليب ووسائل هذه الصور مِن الفساد، وبالتالي وضع الآليات القادرة على ضبطها والقوانين المناسبة للمحاسبة عليها للحدِّ منها.
8- يُعد الفساد أحد ثوابت الأنظمة الاستبدادية في الدول النامية، حيث ينتشر الفساد بكل أنواعه انتشارًا واسعًا وبكمٍّ هائلٍ؛ مِن فساد بشرٍ، وفساد مؤسسات، وفساد استغلال للسلطات، وفتح الأبواب لخدماتٍ متبادلةٍ لرجال أعمال، وصناع ومنتجين، ومنظمات وأحزاب سياسية وجماعات، واختلاسات، وتبديد لمعوناتٍ ومساعداتٍ دولية، معظمها يتم دون أن تخلفه آثار مادية ظاهرة للعيان تكشفها؛ كل ذلك يتم في ظل غياب الإرادة السياسية الجادة لمحاربة هذا الفساد المستشري.
9- كثير مِن صور ومظاهر الفساد قد يصعب وقوعها تحت طائلة القانون بسهولة؛ لافتقادها للأدلة المادية الملموسة مِن جهةٍ؛ إذ تتم في سِريَّةٍ وخفاءٍ وتكتمٍ، ولصعوبة تحديد المسؤولية الجنائية لمرتكبيها نتيجة لذلك مِن جهةٍ أخرى؛ ولهذا تتطلب تحقيقات واسعة ودقيقة قد تستغرق فترات زمنية طويلة، وتحتاج جهود مضنية قد يكون مِن الصعب توفرها.
10- إن الآثار المترتبة على انتشار الفساد كثيرة في جوانب الحياة المختلفة.
منها -على سبيل المثال-: