شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

فانتشار الفساد وازدهاره في المجتمع متوقف على درجة التردي الاجتماعي والأخلاقي فيه، والفساد بعد ذلك كفيل بزيادة هذا التردي واستفحاله، ولعل هذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بالجاهلية، التي هي مخالفة ما جاء به الإسلام مِن أحكامٍ وأخلاقٍ وسلوكٍ، فكل ما خالف الإسلام عقائديًّا وفكريًّا اجتماعيًّا وأخلاقيًّا هو مِن الجاهلية، وانتشار هذه الجاهلية مدعاة لانتشار الفساد وتمكُّنه في المجتمع، قال -تعالى- عن هذه الجاهلية عند قوم لوط: ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (النمل:55) ، فكلما تمكنت الجاهلية مِن المجتمع تردى اجتماعيًّا وخُلُقيًّا، وكان ترديه أداة مِن أدوات الفساد.

7- المبالغة والغلو في إطلاق الحريات:

فكم مِن حُرماتٍ انتهكت، وحقوق ضاعتْ باسم الحرية المطلقة بلا حدودٍ أو قيودٍ؛ فالحريات المطلقة بلا ضوابط مِن ثوابت الأمة وقيمها ومبادئها هي حريات غير مسؤولة، وهي وسيلة هدم وإفساد، وأداة للرذائل والقبائح، فهي مرتع خصب لأهواء وحظوظ النفوس المريضة، ومقدمة للجنوح نحو الفساد.

نعم لابد مِن احترام الحريات في كل جوانب الحياة: السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية، والشخصية مِن جهة، ولكن لابد بتقييدها بضوابط مِن ثوابت الأمة وقيمها ومبادئها مِن جهة أخرى، فتكون الحريات حريات مسؤولة واعية تبني ولا تهدم.

نظرة عامة للفساد:

يمكن تقسيم الفساد مِن خلال النظرة العامة له إلى:

الفساد الأسود: هو الفساد المرتبط بالاقتصاد الأسود، مِن غسيل أموال مخدرات وتهريب سلاح وتهريب بضائع، والغش في الأعمال العامة، وتقديم العمولات السرية والرشاوى ونحوها، وهو فساد ينظر إليه باعتباره فساد شديد الخطورة، تسعى السلطات إلى كشفه، ويتعرض فاعله -عند القبض عليه متلبسًا- إلى عقوباتٍ شديدة، ويندد به المجتمع كله.

الفساد الأبيض: وهو الفساد المرتبط بالاقتصاد الأبيض، مِن التجارة والإنشاءات، والسياحة، والأشغال العامة، ونحوها، وهو فساد يتم التساهل فيه على ما فيه مِن تجاوزات غير قانونية، لكن يدينها المجتمع بشكلٍ غير محسوس؛ إذ لا ينظر إليها في أكثر الأحيان بوصفها تعديات على قيم المجتمع الأساسية، بل ينظر إليها مِن الناحية الاجتماعية على أنها لا تشكِّل خطورة حقيقية، وصور هذا الفساد لا تكشفها السلطات الرقابية في حالات كثيرة، مما يعزز في المقابل الصفح الاجتماعي عنها لا الرفض لها، ويُنظر إليها على أسوأ الظروف كأخطاءٍ لا كإثم يستوجب العقاب، فتندرج في التعاملات المعتادة، وتفلت بالتالي مِن التنديد الاجتماعي.

الفساد الرمادي: وهو صور مِن الفساد التي يتم كشفها، ولكن علاجها يظل محصورًا في حيزٍ مغلق محاط بالسرية مِن خلال الإدارات التفتيشية واللجان التأديبية، ولا يتعرض فاعلها للعقاب الرادع خلال المسائلة القانونية.

ويمكن تقسيم الفساد مِن حيث الحجم إلى:

فساد كبير الحجم: ينتشر في المستويات العليا للنفوذ والإدارة، وينطوي على مبالغ ضخمة وكبيرة مِن المال.

فساد صغير الحجم: وهو الغالب، ويُمارَس بشكلٍ يوميٍ؛ خاصة في الأماكن والمواقف التي تتعلق بإساءة استخدام السلطة في خدمة الجمهور مِن المواطنين، وينطوي على مبالغ ليستْ كبيرة مِن المال، مِن رشاوى وهدايا بغير وجه حق.

ويمكن تقسيم الفساد أيضًا إلى:

الفساد النشط: ويعرَّف بأنه: "سعي الموظف الحكومي بنشاطٍ مِن أجل الحصول على هدية أو منفعة أو رشوة قبْل تقديمه الخدمة".

الفساد السلبي: ويعرف بأنه: "قبول المسؤول لهديةٍ أو مكافأة أخرى بعد تقديم الخدمة"، وهو أمر غير مشروع؛ فلا يحق للموظف العمومي أخذ الهدية ونحوها على عملٍ عموميٍ يؤديه في خدمة المواطنين أو الدولة، وهو مُكلف به رسميًّا.

وفي الصحيحين مرفوعًا عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه-: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ( مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي؛ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ )، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ: ( أَلا هَلْ بَلَّغْتُ ). ثَلاَثًا. (متفق عليه) . ( الرُغَاءٌ ): صوت البعير. و( الخُوَارٌ ): صوت البقر. واليُعار: صوت الشاة.

الصفحة السابقة