شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات (4) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

أسباب التراجع عن الثبات (3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تكرير التنبيه على أهمية الثبات، ومشقته على النفوس في هذا الزمان.

- إشارة إلى ما سبق مِن الانتهاء مِن الأسباب الداخلية: (قلبية - نفسية - سلوكية) للتراجع عن الثبات، والشروع في بيان الأسباب الخارجية المؤثِّرة على الثبات، وهي كثيرة نقف على أبرزها، ومِن خلالها التنبيه على البقية.

الأسباب الخارجية المؤثرة على الثبات:

1- التعرض للاضطهاد والأذى.

2- فتنة الفقر والحاجة وضغط الظروف الاقتصادية.

3- واقع المسلمين المرير مِن الضعف والاختلاف والانحراف.

4- ضغط الأهل والأحباب لترك الطريق اتقاء للأذى.

5- الشعور بالغربة بين عامة الناس المؤدي إلى التنازل في السلوك والسمت ثم المنهج.

6- وسائل الإعلام الفاسدة المحرِّضة على كراهية الدين والتدين والمتدينين.

7- انتشار المعاصي وشيوع الفساد الأخلاقي في المجتمع.

تنبيه:

سنتعرض للسببين الأوليين بشيءٍ مِن التفصيل، ونكتفي بذكر الأسباب الأخرى كعناوين؛ لورودها في طيات ما سبق، ولاسيما وأننا سنتعرض لها أثناء تناول عوامل الثبات -إن شاء الله-.

أولًا: التعرض للاضطهاد والأذى:

هذا مِن أكثر الأسباب المؤدية إلى التراجع عن الثبات؛ لأن النفوس تحب الراحة والسعة، وتكره الضيق والتعب، وهو أكثرها فتكًا بالنفوس التي لم تذق حلاوة الإيمان، ولم يهذبها منهج القرآن، وسبيل الأنبياء وأولياء الرحمن، ولم تعرف معالم الطريق.

- أول المعالم: (لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ):

ففي حديث بدء الوحي: "قال ورقة: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَقَالَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ... ) (متفق عليه) .

ويوم بيعة العقبة: قال ابن إسحاق: "إنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَامَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلَى أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ عَلَى نُهْكَةِ الأَمْوَالِ وَقَتْلِ الأَشْرَافِ فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا وَاللَّهِ نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأَمْوَالِ وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ"، قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعُوهُ" (سيرة ابن هشام، 1/ 446) .

- ثاني المعالم: (صَبْرًا... فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ):

المرحلة المكية حيث الاضطهاد والتعذيب والتشريد لكل مَن أسلم، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم: ( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، وعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .

- ثالث المعالم (التربية والتصفية):

قال الله -تعالى-: ( مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (آل عمران:179) ، وقال: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:2-3) ، وقال: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:155) .

- رابع المعالم (الابتلاء على قدر الدين):

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَء، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

الصفحة التالية