الثبات (4) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- تدابير في مواجهة الاضطهاد والأذى: (الصبر - كثرة التعبد والتنفل - الدعاء - التوكل - الاحتساب - الثقة في وعد الله)، قال -تعالى- لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان:17) ، وقال: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:97-99) ، وقال عن نوح -عليه السلام-: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (القمر:9-15) ، وقال عن موسى -عليه السلام-: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) ، وقال عن المضطهدين في الدنيا اذا دخلوا الجنة: ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) (فاطر:34-35) .
ثانيًا: الفقر والحاجة والظروف الاقتصادية:
وهو مِن الأسباب والمؤثرات الشديدة على النفوس؛ بسبب السعي في المعايش الذي معه يتراجع الكثير ويقصِّر في الطاعات.
- نعم... الفقر والحاجة فتنة شديدة على النفوس، حتى كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر الاستعاذة منه، فكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) ، ويُؤثر عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو كان الفقر رجلًا لقتلته!".
- ولكنه امتحان للمؤمنين لينالوا ثواب الآخرة: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِه، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ، فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَقَالَ: ( أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (متفق عليه) .
- بل هي سنة عامة أتباع الرسل المتمسكين بطريقته: عن عبد الله بن مغفل قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ: ( انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ )، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: ( إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، فَإِنَّ الفَقْر أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ودخلت حفصة بنت عمر على عمر بن الخطاب يومًا، وقد أشفقت عليه مِن خشونة عيشه، فقالت: "يا أبتاه، قد فتح الله لك الفتوح، ومصر لك الأمصار، فهلا وسعت على نفسك شيئًا مِن عيشك هذا الخشن؟ فقال: والله، لا أخاصمك إلا إلى نفسك، أنسيت عيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أنسيت عيش أبي بكر؟ فوالله، إني لأرجو بعيشي هذا الخشن أن ألحق بهما في عيشهما الرخي، فبكت حفصة".
- لا تحزن... فعظيم الأجر مع الفقر والطاعة والصبر: (الفقراء أكثر أتباع الأنبياء - أحب المؤمنين إلى الله ورسوله - أول مَن يرد الحوض - أول مَن يجوز الصراط - أول مَن يدخل الجنة - أكثر أهل الجنة).
- آداب تهون عليك فتنة الفقر والحاجة: (حسن التوكل على الله - الرضا بما قسم الله - الاقتصاد في المعايش - النظر إلى مَن هو دونك مِن الفقراء الصالحين - الدعاء والتضرع - التصبر بانتظار الجنة) (انظر سلسلة مواعظ: رسائل المواساة الى أهل الفقر والمعاناة) .
- احرص على أن تكون بين المقتصدين والسابقين بالخيرات: (صلاة الفرض في جماعة لا سيما صلاة الفجر - صيام الاثنين والخميس - ورد قرآني يومي - تحصيل العلم بالوسائل المتاحة)، قال -تعالى-: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16) ، ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) .
وسيأتي معنا الحديث حول عوامل الثبات على الدين مِن المرة القادمة -إن شاء الله-، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.