شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

تعريف الفساد وبعض أنواعه (أ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الفساد لغة: مِن (ف س د)، ويدل على الخروج والمفسدة خلاف المصلحة. فيُقال: فسد اللحم أو اللبن ونحوهما، إذا أنتن أو عطب. ويُقال: فسد العقد، أي: بطل. ويُقال: فسدت الأمور، أي: اضطربت وأدركها الخلل. ويُقال: فسد الرجل أي جاوز الحكمة والصواب.

قال الراغب في (المفردات في غريب القرآن) في مادة (فسد): "خروج الشيء عن الاعتدال -قليلًا كان الخروج أو كثيرًا- ويضاده الصلاح"، ويُستعمل في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة. أفسد الشيء: جعله فاسدًا. فالفساد: التلف والعطب والخلل، والمفسدة: الضرر. وهذا الأمر مفسدة لكذا: فيه فساده.

والجمع: مفاسد. (انظر: المعجم الوجيز) .

أما الفساد اصطلاحًا: فمدار الحديث فيه على الفساد الذي ينجم عن الإنسان، وقد اختلف في تعريفه لتعدد أنواعه، ولكل نوعٍ تعريفه بحسب الجانب الذي يمارس فيه في حياتنا، ولكن مدار التعريفات في مجموعها يدور على (سلوك إنساني منحرف يقوم على تغليب المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة)، فهو مجاوزة للحدِّ بأخذ حقوق الآخرين ظلمًا ومنع ما يستحقونه، والخروج هنا: هو الخروج عن مصالح الآخرين.

قال الزمخشري في الكشاف في تعريفه للفساد: "هو خروج عن حال استقامته وكونه منتفعًا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة"، وخلاصة ما يمكن أن يُقال في منشأ الفساد إنه حيث تدخل حظوظ النفس وحيث يتم تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة يكون الفساد، ويأتي الفساد على أشكال عدة ويتراوح ما بين الأمور التافهة إلى الأعمال الكبيرة جدًّا.

أنواع الفساد:

بحسب الميادين التي يدخل فيها الفساد يمكن تقسيم الفساد إلى:

1- الفساد السياسي.

2- الفساد الإداري.

3- الفساد القضائي.

4- الفساد الاقتصادي.

5- الفساد الاجتماعي والأخلاقي.

6- الفساد الثقافي والفكري.

7- الفساد البيئي.

أولًا: الفساد السياسي:

أوسع ميادين الفساد، ومنه تستمد بقية أنواع الفساد وجودها؛ إذ إن هذا الفساد يتعلق بمَن بيده صنع القرارات التي تتحكم في مصائر الناس. والفساد السياسي صورة مِن صور (استغلال السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة)، ويمكن تعريف هذا النوع مِن الفساد بأنه: "تغليب صاحب القرار مصلحته على مصالح الآخرين"، فوجود هذا النوع مِن الفساد يعني تقديم مَن في السلطة ومَن بيده صنع القرار مصالحه الخاصة أو تعزيز تواجده في السلطة على المصالح العامة، وهو صورة مِن صور الاستبداد، ومظهر مِن مظاهر الطغيان.

وقد يكون صاحب القرار والسلطة حاكم لدولة أو رئيس وزارة أو وزير في وزارة أو رئيس حزب مِن الأحزاب السياسية، أو نائب برلمان يستغل مقعده لمصالحه الشخصية، أو رجل أعمال يدخل البرلمان بنية الجمع بيْن المال والسلطة والنفوذ لتقوية مصالحه وأعماله، أو أي مسؤول مِن المسؤولين العموميين في جهة أو هيئة، أو رئيس لجمعية أو جماعة.

ومِن الوسائل التي تُستخدم لتحقيق ذلك:

- تبديد أموال الدولة -أو الأموال العامة- في مصالح ومنافع تعود على مَن بيدهم صنع القرار وتعزيز تواجدهم، واستمرارهم في السلطة.

- الإغراء ببذل المناصب وتقريب مَن يدين لهم بالولاء ومَن على شاكلتهم، ممَن يرضى بأفعالهم ويزينها لهم، ويصب في مصلحتهم.

- إهمال رأي الشعوب -أو الأتباع- استخفافًا بهم؛ فالاستبداد يجعل صاحبه لا يَرى إلا رأيه الذي هو عليه، ولا يرى الصواب إلا فيما اختاره لأتباعه، ولا يتحمل مَن يخالفه في الرأي.

السيطرة على وسائل الإعلام المتاحة في دعم حكمه وتثبيت سلطته وتغطية فساده، فالإعلام يبرر قراراته ويتولى إقناع الناس بقراراته، فالإعلام أهم وسائل التلاعب بالرأي العام، بإعادة صياغته وتشكيله، وبقلب الحقائق والموازين والتعتيم على جرائم الفساد والتغاضي عنها، بل وتحسين الصورة الظاهرة للسياسيين المفسدين ووضع التبريرات لقراراتهم وأفعالهم ومواقفهم مهما كانت؛ إذ إن صاحب الفساد السياسي مهما بلغ طغيانه واستبداده وفساده حريص على إقناع الرأي العام وتضليله بما يتفق مع تحقيق مصالحه، والإعلام الموالي له على الفساد هو أقوى وسائله لتحقيق ذلك.

صورة مشهورة للفساد السياسي وردت في القرآن الكريم:

ورد في القرآن الكريم الحديث عن الفساد السياسي والربط بينه وبين الطغيان والاستبداد في صورةٍ مِن أوضح الصور في التاريخ البشري متمثلة في صورة فرعون حاكم مصر، والذي تكرر ذكره والكلام عليه في عشرات المواضع مِن القرآن الكريم؛ لذا دأب علماء الأمة ومصلحوها على الربط بيْن ما يرونه في المجتمع مِن صور الفساد السياسي وبين قصص القرآن الكريم عن فرعون وفساده، لكونه مثالًا صارخًا وفجًّا في الفساد والطغيان، لكن ينبغي التنبُّه وعدم الخلط بيْن فساد الواقع وفساد فرعون، بتشبيه أي مفسد في الأمة بفرعون، أو وصفه بأنه فرعون هذه الأمة وإطلاق هذا اللقب عليه، إلا مَن ورد وصفه بذلك في الشرع، وهو أبو جهل عمرو بن هشام، الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه فرعون هذه الأمة، ففرعون مع كون كفره كفرًا أكبر فقد كان في مواجهة رسول مِن أولي العزم من الرسل، وهو موسى -عليه السلام-، الذي أراه مِن المعجزات والآيات ما لم يره مثله، فلم يزده ذلك إلا طغيانًا على طغيان، وجحودًا على جحود، ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، فجاءت نهايته عبرة لكل مَن يعتبر.

ومِن مظاهر فساد فرعون في هذا الشأن:

تبديده أموال الدولة في تحديه لموسى -عليه السلام-، قال -تعالى-: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ) (غافر:36-37) ، وهل يغني ذلك في مواجهة الآيات المعجزات التي واجه موسى -عليه السلام- بها فرعون.

الصفحة التالية