الفساد (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وكذلك جمع فرعون للسحرة مِن كل مكانٍ لمواجهة موسى وإغرائهم بالمال وبالقرب منه حال الانتصار على موسى، وهو يعلم في قرارة نفسه صدق موسى -عليه السلام-، فقال للسحرة الذين جمعهم وأكرههم على مواجهة موسى لما سألوه الأجر حال تحقيق الغلبة: ( وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (الأعراف:113-114) ، و (الشعراء:42) .
وفي الاستبداد بالرأي وإكراه الناس عليه قال -تعالى-: ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) ، وقال فرعون: ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) (الزخرف:51) ، وفي المقابل: يطيع الأتباع هذا المستبد في الباطل، وقد رأوا الآيات المبهرات الدالة على صدق موسى -عليه السلام- وفشل فرعون في مواجهة آياته، ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) (الزخرف:54) .
وفي التنكيل بمَن يخشى على ملكه منهم أو معارضتهم له، قال فرعون: ( سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (الأعراف:127) ، وفي استمالة الأتباع وتضليل الرأي العام قال فرعون: ( ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدلكم دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) (غافر:26) ، ويقول عن موسى -عليه السلام-: ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) (الأعراف:110) ، وكأن فرعون هو المصلح وموسى -عليه السلام- هو المفسد! وها هم أتباع فرعون يزينون له باطله ويوافقونه عليه، ويحرضونه على موسى -عليه السلام- ومَن معه: ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (الأعراف:127) .
وترجع أسباب تفشي الفساد السياسي إجمالًا إلى:
1- افتقاد القيادة النظيفة، أو افتقاد الإرادة السياسية الجادة في محاربة الفساد، وغياب الشفافية والنزاهة.
2- غياب الرقابة الفعالة والمتابعة، والمساءلة والحساب، والجزاء المناسب.
3- التوسع في الصلاحيات للسياسيين وللمسئولين، خاصة التي تتعدى الجوانب السياسية إلى جوانب أخرى.
4- ضعف تأثير الرأي العام أو تجاهل القيادة والحكومة له.
5- تنصل وتقاعس المسؤولين عن القيام بالواجبات والمهام الرسمية الموكلة إليها.
6- الإسراف في الإنفاق الحكومي، وتبديد الأموال العامة فيما لا يعود على المجتمع ككل بالنفع.
ثانيًا: الفساد الإداري:
يُقصد بالفساد الإداري وجود خلل وانحراف متعمد في الأداء الإداري نتيجة سوء استغلال للسلطة العامة الممنوحة للموظف أو الإداري لتحقيق مكاسب خاصة، وفيه يقوم الموظف العمومي باستغلال سلطته في مخالفة القانون أو التغاضي عنه تحقيقًا لمنفعة، فهو: "سوء استغلال السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة"؛ يشجعه على ذلك ضعف الرقابة الداخلية، وانعدام الرقابة مِن المجتمع، وانتشار الرشوة، وتزايد الفساد وعدم الجدية في مكافحته، ولا يكاد يخلو مجتمع مِن المجتمعات "قديمها وحديثها من مظاهر الفساد الإداري"؛ إذ هو انفصام بيْن النظرية والتطبيق، وبين الواجب المطلوب والأداء الفعلي، يظهر في صورة الإخلال بالواجب الملقى على عاتق الموظف أو الإداري وإضاعة الأمانة التي أوكل بها إليه بموجب السلطة الرسمية التي وضعت بين يديه.
ويُلاحَظ:
أن هذا النوع مِن الفساد هو الشائع في الحديث عن الفساد عند الكثيرين، لكنه ليس النوع الوحيد مِن الفساد -كما ذكرنا-.
إن قصر التعريف على الموظف أو الإداري هو قصر للفساد عليهما وحدهما دون مَن أغراهما بالفساد أو ضغط عليهما للقيام به، رغم كونه شريكهما ومشتركًا معهما في الفساد الذي فعلاه، وبالتالي قصر مكافحة الفساد على الموظف العام فقط؛ لذا ينبغي تعديل التعريف ليشمل مَن أغراه بذلك أو ضغط عليه واستفاد مِن وقوع هذا الفساد، فهو مشارك أساسي في الجريمة، ومستحق للعقوبة مع ثبوت التعمد لذلك والسعي إليه.
إن الفساد الإداري انحراف متعمد في تنفيذ العمل الإداري المناط بالشخص، أما الانحراف الإداري الذي يتجاوز فيه الموظف القانون وسلطاته الممنوحة دون قصد سيئ وتعمد، ودون التطلع إلى منفعةٍ مادية أو معنوية، كأن يكون بسبب الإهمال أو التراخي أو اللامبالاة؛ فهو انحراف لا يرقى إلى مستوى الفساد الإداري، لكنه انحراف يعاقب القانون عليه أيضًا، والتغاضي عنه إذا لم يُعالَج قد يتحول إلى وسيلةٍ إلى الفساد الإداري.
أنواع الفساد الإداري:
مداره على انتظار منفعة شخصية لإنجاز العمل المطلوب منه، أو إيثار الراحة والكسل على تنفيذ العمل؛ مما يترتب عليه تعطيل العمل المطلوب، أو إلحاق الضرر بالمصالح العامة للمواطنين.
وأنواعه وصوره كثيرة، منها:
1- فساد يتعلق بمخالفة نظام العمل وأداء مهامه:
وهو فساد نتيجة مخالفات تصدر عن الموظف العمومي في أثناء يوم عمله، وتتعلق بصفة أساسية بنظام العمل، ومنها:
أ- فساد يتعلق بوقت العمل:
ومِن صوره:
التأخر في الحضور إلى العمل صباحًا، والتبكير في الانصراف منه قبْل وقت الانصراف، وقضاء وقت العمل في قراءة الجرائد، وحل مسابقات الكلمات المتقاطعة، واستقبال الزيارات والمكالمات الشخصية، والراحة وتناول الطعام والشراب في غير الأوقات المخصصة له، وغير ذلك مِن صور عدم احترام وقت العمل، وتقديم كل الجهد المطلوب في أدائه والانتهاء منه في وقته المحدد له.
ب- فساد يتعلق بعدم أداء العمل المطلوب:
ومِن صوره:
- رفض العمل المكلف به، أو تعطيله، أو تأخيره، أو التراخي فيه، أو التكاسل عنه، أو تنفيذ الحد الأدنى منه.
- والحرص على الحصول على أكبر أجر ممكن أو منفعة أو حوافز غير مستحقة مقابل أقل جهد مبذول.
ج- تعمد عدم الالتزام بالتعليمات والأوامر:
ومِن صوره:
- عدم طاعة الرئيس المباشر، والبحث عن أعذار لعدم التنفيذ.