شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

مِن أنواع الفساد (ب)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ثالثًا: الفساد القضائي:

وهو طامة كبرى، بل وعلامة ظاهرة على تفشي الفساد في المجتمع، إذ القضاء أقوى ما يعول عليه أفراد المجتمع في حفظ الحقوق ورفع المظالم والقضاء على الفساد.

وفساد القضاء قد يكون بإصدار تشريعات تسمح بتغلغل الفساد في المجتمع لمصالح فئة أو فئات دون غيرها، فيحكم القضاة بمقتضاها، أو بفساد بعض القضاة أو عدم كفاءتهم -إذ القضاة شريحة كغيرها مِن شرائح المجتمع قد يعتري بعض أفرادها الفساد- في غياب تطهير تلك الشريحة مِن داخلها، أو بفسادٍ يتعلق بالإجراءات الطويلة وخطوات الإعلان، وبطء البت في القضايا لسنواتٍ، ونحو ذلك.

ومِن أكبر مصادر الفساد في القضاء:

- تطبيق قوانين وتشريعات تخالف الشريعة الإسلامية التي يجب أن تكون هي المرجع للتشريع في الدول الإسلامية، وكل ما يخالفها فهو ظلم وفساد، قال -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (المائدة:47) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (المائدة:45) .

- عدم المساواة بيْن الجميع أمام القوانين السارية في المجتمع، فيتمكن أصحاب النفوذ والمال مِن الإفلات مِن العقوبات التي يستحقونها أو تخفيفها عند وقوعهم تحت طائلة القانون، بينما تطبق القوانين بصرامتها المعهودة على غيرهم، خاصة مع المعارضين من الخصوم السياسيين.

ومِن مظاهر وجود فساد قضائي وغياب الدور المطلوب مِن القضاء والرقابة الإدارية في المجتمع:

- انتشار الرشاوى، ولا يخفى دورها في إضاعة الحقوق.

- انتشار الواسطة والمحسوبية، ولا يخفى دورها في تولي الأمور مَن ليس لها بكفءٍ، وتأثر الدولة سلبًا بتولي فاقدي الكفاءة، وفي المقابل حجب أصحاب الكفاءات عن تولي المناصب التي يستحقونها، والتي في توليهم لها صلاح المجتمع وتقدمه.

- ترك التوثيق والتساهل في الإشهاد، بل وانتشار شهادات الزور، ولا يخفى ما يسببه ذلك مِن هضم لحقوق وقلب لحقائق وجلب للكثير مِن المنازعات والخصومات.

رابعًا: الفساد الاقتصادي:

هو كالوعاء الذي تذوب فيه بقية أنواع الفساد الأخرى وتتغلغل فيه، حيث يقوم على اتخاذ المال كوسيلة غير مشروعة للضغط والحصول على مصالح مادية ومنافع غير مستحقة لمقدم هذا المال، فهو عمل مناف للأخلاق والقيم في المجتمع، يقوم على التعامل بيْن الناس بما يحقق المصالح المادية والمنافع الشخصية على حساب المصلحة العامة وبذل المال لمَن يستحقه لنوال ذلك بكيفية غير شرعية.

ومِن مظاهر الفساد الاقتصادي:

تكدس الثروات في أيدي قلةٍ أو فئةٍ على حساب بقية المجتمع؛ إذ الغالب في تضخم ثروات الأفراد بصورة غير طبيعية أو في فترات قصيرة أنها علامة على الفساد، خاصة في غياب المراقبة والمساءلة والمحاسبة مِن الأجهزة المعنية بذلك، والتي لها القدرة والصلاحية على التعرف والتحقق مِن مصدر الثروات المكدسة، وكيفية الحصول عليها، ومدى أداء ما يتعلق بها مِن حقوق الدولة والمجتمع.

- غياب الأمانة وافتقاد الوفاء بالمواثيق والعهود، وانعدام الصدق في المعاملات والعقود المالية، وتفشي الغش والرشاوى والسرقات، واستغلال ظروف الناس ومعاناتهم في احتكار السلع والخدمات بما يحقق الربح الفاحش، ومرد ذلك إلى الجشع والطمع والمبالغة في حب المال والرغبة الجامحة في جمعه وتحصيله بكل السبل والإكثار مِن التملك، مع انعدام الثقة بيْن الناس، وهي آفات اجتماعية وأخلاقية تؤدي إلى المزيد مِن الخلل في العلاقات الاجتماعية وأخلاقيات المجتمع إلى جانب المفاسد الاقتصادية.

- انتشار المعاملات الربوية بأضرارها السلبية الخطيرة على المجتمع والأفراد، والربا مظهر مِن مظاهر الفساد المالي، قال -تعالى-: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) (البقرة:275) ، وقال -تعالى-: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (البقرة:276) ، على ما فيه مِن محاربة لله -تعالى-.

- أكل حقوق الآخرين بإنكارها أو هضمها، وبخس الناس أشياءهم والانتقاص مِن قيمتها، وأخذ الأموال بالباطل، وضياع حقوق الضعفاء واليتامى، واستحلال الأموال العامة بالاختلاسات والسرقات.

- كثرة الاستهلاك والإنفاق على الكماليات بإسرافٍ وتبذيرٍ، وقلة العمل والإنتاج.

- انتشار الاتجار في المحرمات والممنوعات، وفي مقدماتها المخدرات والمسكرات رغم آثارها المدمرة على المجتمع؛ خاصة على الشباب.

ومما يساعد على تفشي الفساد الاقتصادي في المجتمع:

- الأوضاع الاجتماعية السيئة نتيجة انتشار الفقر وتفشي الجهل وارتفاع نسب البطالة، إلى جانب ازدياد التفاوت الطبقي داخل المجتمع؛ فهذه الظروف تؤثِّر سلبًا وبدرجةٍ كبيرة على طبيعة وطرق المعاملات بيْن أفراد المجتمع.

- المبالغة في إطلاق الحريات وإطلاق التملك بلا قيود، والاحتكار بلا حدود، وبدرجةٍ تؤدي حتمًا إلى التجاوز والاعتداء على حقوق الآخرين.

خامسًا: الفساد الاجتماعي والأخلاقي:

كما أن الخلل الاجتماعي والأخلاقي مِن أسباب ظهور أنواع مِن الفساد في المجتمع، فإن الفساد بأنواعه يزيد ويعمِّق مِن الخلل الاجتماعي والأخلاقي في المجتمع، وهذا النوع مِن الفساد يبدأ بصورٍ فرديةٍ تتعلق بالأفراد، لكنه مع انتشاره سرعان ما يسري في المجتمع ككل، مسببًا خللًا في القيم الاجتماعية والأخلاقية يعاني منها المجتمع، وينعكس أثرها على علاقات أفراد المجتمع مع بعضهم البعض خارج -بل وداخل- الأسر والعائلات.

الصفحة التالية