الفساد (3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
إن مرتكبي أنواع الفساد المختلفة لتحقيق مصالحهم الشخصية لا يلتفتون إلا ما يحدثه فسادهم مِن تغيرات اجتماعية سلبية وانحرافات أخلاقية هذا مِن جهة، وهناك مِن جهة أخرى مِن أصحاب التوجهات مَن يسعى إلى العبث بقيم المجتمع وأخلاقياته ترويجًا لتوجهه الذي لا يتفق ولا يتوافق مع قيم المجتمع وأخلاقياته الثابتة المستمدة مِن دين الأمة وتاريخها وهويتها، ومنهم مَن هو موجه ومدعم خارجيًّا لإحداث التغيرات المطلوبة في بنية المجتمع الاجتماعية والأخلاقية باسم الحريات المطلقة والليبرالية، وتحرير المرأة، وحقوق الإنسان، وهي دعوات مرتبطة بالفهم الغربي لها، وهو فهم مستمد مِن قيم ومفاهيم الغرب المادية العلمانية، ومِن صورها: الإلحاد، ومستمدة مما تبقى عند الغرب مِن القيم والمفاهيم التي يُطلق عليها: (القيم المسيحية)، وهي قيم مستمدة مِن النصرانية المحرفة والتي تخالف قيمنا المستمدة مِن الإسلام، وهي بالتالي محرومة مِن محاسن الشريعة الإسلامية الاجتماعية والأخلاقية، والتي ينتهي الأمر بمَن حُرم منها إلى الوصول إلى هذه الظواهر الاجتماعية والأخلاقية والتي تُعد مِن المفاسد اصطلاحًا؛ إذ تخرج عن الصالح العام للمجتمع وإصلاحه لتحقيق توجهات أو أجندات خاصة لأصحابها لإبعاده عن هذا الصلاح.
ومِن مظاهر تلك المفاسد الاجتماعية والأخلاقية:
1- الترويج للعري والعنف والمخدرات والتدخين، والتردي الأخلاقي، وتشويه صورة الشعب المصري عامة -والمرأة المصرية خاصة- باسم الفن؛ خاصة في الفنون التي تجذب الشباب مِن الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، بما فيها المسلسلات والعروض التي تُقدَّم في شهر رمضان، بصورةٍ أزعجت وأثارت استهجان واستياء الكثيرين مِن المختصين والمهتمين بهذه الفنون، ومِن أربابها أنفسهم قبْل علماء الأمة ومصلحيها ومفكريها، والعقلاء فيها.
2- انتشار موجة العري والتوسع في الرقص العاري داخل الأغاني والكليبات والإعلانات المرئية انتشارًا لافتًا للنظر والانتباه، وهي الموجة التي امتدت إلى المهرجانات الفنية الرسمية التي تنظمها الدولة وتعبِّر عن مستوى الفن فيها.
3- الغناء الهابط جدًّا وانتشار الألفاظ السيئة للغاية إلى حدِّ السباب داخل الأعمال الفنية المختلفة، وصنع القدوة السيئة للشباب مِن خلالها، والتي سرعان ما تسري بيْن الشباب سريان النار في الهشيم، وتنذر بانحطاطٍ أخلاقيٍ غير مسبوق تتجه إليه الأمة.
4- انتشار الصحف والمجلات الصفراء وجرائد الحوادث التي تقوم على نشر الأحداث المثيرة، وتسليط الضوء وبشدة على الجرائم المشوِّهة للمجتمع فتروج للرذيلة، ورغم وجود الأجهزة المنظمة لها ولمراقبتها وإصدار التقارير حول مخالفاتها فهي لا تتخذ الإجراءات العملية المطلوبة والكافية للحدِّ مِن تجاوزات هذه الصحف والمجلات اكتفاء بكتابة التقارير عنها والمخالفات الواقعة منها.
5- انتشار العادات السيئة مِن التعاطي وانتشار الجرائم في كل صورها المختلفة حتى داخل الأسرة الواحدة.
6- تفشي ظاهرة الغش الفردي والجماعي في امتحانات السنوات الدراسية المختلفة بما فيها الشهادات العامة وبالآلاف، في غياب الرقابة الجادة داخل اللجان أو بتغاضيها، بل ربما بإقرارها، بل امتدت هذه الظاهرة لتشمل كذلك طلبة الأزهر! بل طال هذا الفساد مسؤولين في التعليم ليشمل تسريب امتحانات شهادة الثانوية العامة بشعبها العلمية والأدبية قبْل بدايتها بأيام، بل وتعميم البعض لهذا التسريب بتسريبه علنًا على مستوى الجمهورية على مواقع الاتصال الاجتماعي قبْل بداية الامتحانات بساعاتٍ أو دقائق عديدة في تحدٍّ غير مسبوق مسببًا مشكلة كبيرة لكبار المسؤولين في وزارة التربية والتعليم لا يعرف مثيلها في دولةٍ بوضع مصر ومكانتها، وامتد الأمر لعدة سنواتٍ متتاليةٍ، تندر بها الجميع، وشر البلية -كما يقولون- ما يضحك!
7- تفشي ظاهرة التحرش الفردي والجماعي بالقول وبالفعل بالفتيات والنساء تفشيًا غير مسبوق مِن قبْل بدرجةٍ ملفتةٍ للنظر.
سادسًا: الفساد الفكري والثقافي:
وهو مِن أخطر أنواع الفساد على الأمة، إذ يمضي في خفة ونعومة لا ينتبه إليه إلا القليلون، ويصعب ملاحقة مرتكبيه ومتابعتهم، بل وربما يصعب كذلك تقديمهم للمحاكمة، والفساد الفكري يكون بكل ما يخرج الأمة عن ثوابتها ويعمل على تفكيك هويتها ويخل بقيمها، ويقوم به كثيرون مِن أصحاب الفكر والتوجهات المخالفة لثوابت الأمة وهويتها، ومِن أصحاب التوجهات والأجندات الخارجية، وغالبيتهم ممَن يحظون بتمويلات سرية ودعم مالي ومعنوي ييسر لهم نشر فكرهم وتوجهاتهم وتزيينها للناس بطرقٍ ووسائل متعددة مِن إعلام مرئي ومسموع ومقروء، وهي تَلقى رواجًا بيْن الشباب والبسطاء مِن الناس في غياب -أو ضعف- دور أصحاب الفكر الصحيح مِن المثقفين والمتعلمين والتربويين، وحراس الأخلاق والقيم في المجتمع.
ومِن أمثلة الفساد الفكري والثقافي:
1- تغيير المناهج التعليمية بما يقطع الصلة بيْن الأمة ودينها وتاريخها وقيمها، بحيث تكون هذه المناهج معبِّرة عن فكر وثقافة وقيم أمة أخرى غير أمتنا الإسلامية، ويظهر ذلك -وبوضوح- في المناهج التي تضعها وتشرف عليها المدارس الأجنبية والجامعات الأجنبية الخاصة، في صورٍ مِن ازدواجية التعليم داخل الأمة لا تعرف في غيرها مِن الأمم.
2- خلط أهداف ومناهج التربية في الأمة بأهداف ومناهج التربية الغربية، وهي مناهج تنطلق مِن قيم ماديةٍ وعلمانية ومفاهيم قائمة على تصور معاداة الدين -أي دين- للعلم، وهو إرث غربي تشربت به أوروبا بعد الصراع الذي عاشته في القرون الوسطي بيْن النصرانية المحرفة متمثلة في الكنيسة وبين العلماء الممثلين للتقدم العلمي وقتها، أما نحن -المسلمين- فلم نعرف خلال تاريخنا الطويل مثل هذا الصراع، بل قامت الحضارة الإسلامية التي قادت البشرية لقرونٍ طويلةٍ على الموقف الإيجابي للإسلام مِن العلم والتقدم العلمي، والذي ساهم بقوةٍ في تقدم الأمة الإسلامية في كل العلوم وقيادة البشرية.
3- تسرب الروح الانهزامية في الأمة، وفقد روح وحماسة البذل والعطاء؛ مما يزيد مِن الفجوة بيننا وبين التقدم العلمي الغربي.