شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

4- تبني بعض الإعلاميين وبعض وسائل الإعلام فتح أبواب المناقشة والحوار -بل والقيام باستبيانات شعبية- حول أمور هي مِن مسلَّمات وثوابت الأمة ودينها، والواجب تثبيت هذه الثوابت والمبادئ والقيم في المجتمع المرتبطة بمسلَّمات دينها ومقومات هويتها وخصائصها، وتنشئة الأجيال عليها؛ لا تشكيكهم فيها تمهيدًا لتغريب هذه الأجيال، وصبغها بقيم ومفاهيم غربية تخالفها، وهو ما أسفر عن فتح باب انتشار الميل للشهوات والعري، والفحش والتحرش، والخمول والتراخي، وعدم الجدية في الحياة، بما يهدد بفقد الأمة لهويتها وخصوصياتها، وبالتالي انهيارها وضياعها أخلاقيًّا واجتماعيًّا، وهو الهدف غير الظاهر للأيدي التي تعمل في الخفاء.

- ومِن ألوان الفساد الفكري والثقافي: انتشار الخرافات والخزعبلات والمعتقدات الشركية باسم الدين خاصة عند المتصوفة مِن جهة، والغلو والتشدد في الفكر والاعتقاد بعيدًا عن وسطية واعتدال وتسامح الإسلام بيْن قطاعٍ مِن الشباب لم يجد مَن يعلمه صحيح الدين، ويوجهه التوجيه السليم عند التعمق في الدين مِن جهةٍ أخرى.

وهذا اللون مِن الفساد له انعكاساته السلبية على مَن تشبع به في تعاملاته وأقواله، وأخلاقه وسلوكه؛ فضلًا عن معتقداته وعباداته، وأسلوب حياته الخاصة والعائلية.

خطورة فقد الممانعة الاجتماعية:

يظهر الفساد الفكري والثقافي والاجتماعي والأخلاقي، وينتشر مع غياب أو نقص ما يسمَّى: بـ"الممانعة المجتمعية". والممانعة المجتمعية هي حائط الصد الذي يقوم بالحفاظ على الثوابت الدينية والاجتماعية والأخلاقية المستمدة مِن مسلمات وقيم ومبادئ الأمة التي تمثِّل هويتها وخصائصها التي ميزتها عبْر تاريخها الطويل، وعدم ذوبان الأمة في غيرها مِن الأمة باسم التقدم والتطوير والحداثة، ولا ارتباط بيْن التقدم العلمي بها إلا في أذهان مَن يقدِّمونها لنا، وضعف هذه المناعة أو فقدها هو الباب لتغير المجتمع وتواجد التناقض والاختلاف بيْن هوية الأمة الحقيقة وواقعها التي تعيشه، وكلما كثرت مظاهر هذا التغير في المجتمع زاد انحرافه عن الصورة المثلى التي يجب أن يكون عليها.

وزيادة هذه الممانعة في مواجهة هذا التغيير يتطلب:

تعريف الناس على اختلاف فئاتهم وتنوعها بدينهم وثوابته، وبقيم مجتمعهم ومقوماته، مِن خلال علماء الأمة ودعاتها ومفكريها ومثقفيها، والمصلحين المخلصين فيها الذين تقع على كاهلهم هذه المسؤولية الخطيرة، وينبغي على الدولة أن تساعدهم في تحقيق ذلك؛ لا أن تضيق عليهم أو تحول بينهم وبينها.

تحصين الشباب مِن خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ضد تيارات الغزو الفكري المنتشرة والتي تروج لأهدافها بطوفانٍ مِن وسائل ترويج متنوعة تستخدم أسلحة الشبهات والشهوات في مواجهة كم كبيرٍ مِن الشباب يتعرض لها بدون حمايةٍ أو وقايةٍ (للاستزادة: راجع كتاب "الممانعة الاجتماعية"، د. محمد السعيدي) .

سابعًا: الفساد البيئي:

هو فساد يقوم به الإنسان يؤثِّر على موارد البيئة ويهددها بما يفقدها أو يقلل مِن وظيفتها الإيجابية للبشرية؛ فهو فساد يهدد الجنس البشري وسائر الكائنات، في مقابل تحقيق منافع ومصالح شخصية.

مِن صور هذا الفساد البيئي:

- تلويث مياه النيل وفروعه بمخلَّفات المصانع والشركات الحكومية والخاصة مِن كيماويات، ومواد ضارة تؤثِّر على استخدامات الإنسان للمياه في الشرب والزراعة.

- تلويث الهواء الجوي بمخلَّفات الشركات والمصانع التي تبثها في الهواء مباشرة، وتؤثِّر بشدة على الإنسان والكائنات الموجودة في بيئتها.

- التخلص مِن الكثير مِن المواد الضارة ومخلَّفاتٍ مِن الصرف الصحي في مياه البحر والبحيرات؛ مما يلوثها ويؤثِّر على الثروة السمكية والكائنات التي تعيش فيها، ويمتد بالتالي ضررها إلى الإنسان.

- الإسراف في استعمال -أو إساءة استخدام- المبيدات الكيماوية والأسمدة في الزراعة بصورةٍ كان ممَن الممكن التحكم فيها، وتجنب أضرارها وتأثيرها على المحاصيل الزراعية، وسائر المزروعات الأخرى والنباتات، والتي يمتد ضررها إلى الإنسان وما يربيه مِن ماشيةٍ وحيواناتٍ عن طريق التناول أو التعامل مع هذه المنتجات الزراعية.

وهذه الصور مِن الفساد البيئي داخلة في عموم قوله -تعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) ، وقوله -تعالى-: ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) .

الصفحة السابقة