معالم في مواجهة التحديات المعاصرة
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن سُنَن الله الكونية التي ترتبط بحِكمة وجود النوع الإنساني على الأرض: أنَّ الحق ينقص في قلب ابن آدم، والباطل يزيد، وكذا في المجتمعات والحضارات؛ وذلك لأن الله -سبحانه- أَوْجَد النوع الإنساني في الأرض ليعبده المؤمنون في وسط الفساد وسفك الدماء، قال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:30) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أَيْ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي خَلْقِ هَذَا الصِّنْفِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَّرْتُمُوهَا مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ؛ فَإِنِّي سَأَجْعَلُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَأُرْسِلُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَيُوجَدُ فِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ وَالْعُبَّادُ، وَالزُّهَّادُ وَالْأَوْلِيَاءُ، وَالْأَبْرَارُ وَالْمُقَرَّبُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالْخَاشِعُونَ، وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمُتَّبِعُونَ رُسُلَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ" (تفسير ابن كثير،1/ 216 - 217) .
حتى يُعبد الله بالمُرَاغَمة والمُدَافَعة، والمُجَاهَدة والمُقَاوَمة للشر والفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلابد أن يوجد الفساد وسفك الدماء، ولابد أن يُوجَد ذلك بالعدل ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (الكهف:49) ، فقَدَّرَ -سبحانه- أن يَفعل المُفسِدون ذلك بإرادتهم وقدرتهم التي خلقها الله لهم؛ ليُقَاوِمهم أهلُ الإيمان، ثم يحاسب -سُبْحَانَهُ- كُلًّا مِن الفريقين بما يَستحقه.
والإنسان قد خُلِق على التوحيد والعلم؛ فآدم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أبو البشر كان نَبِيًّا مكلما، قال -تعالى-: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) (البقرة:31) ، ثم يتحول الإنسان إلى الجهل والظلم بعدل الله، ولا يكون ذلك إلا بنقصان الحق مِن قلوب بني آدم ومجتمعاتهم، ومِن خلال عملهم وجهلهم وإعراضهم عن العلم، واكتفائهم بالهيئة الظاهرة مِن ادعاء حب العلماء، واتِّباع الأنبياء مُدَّةً مِن الزمن، يبدأ الحق فيها بالضعف؛ بسبب البدعة والظلم والعدوان حتى يضمحل، ويزداد الجهل ويُنسخ العلم حتى يُعبد غير الله.
روى البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ؛ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، وهي أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ؛ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ".
وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "هَذِهِ أَصْنَامٌ كَانَتْ تُعْبَدُ فِي زَمَانِ نُوحٍ"، وروى ابن جرير عن محمد بن قيس في "وَيَعُوقَ وَنَسْرًا" قال: "كانوا قومًا صالحين مِن بنى آدم، وكان لهم أتباع يَقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يَقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم؛ فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر؛ فعَبَدوهم" (تفسير الطبري، 23/ 639) .
وروى ابن أبي حاتم عَنْ أَبِي الْمُطَهَّرِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ -وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي- يَزِيدَ بْنَ الْمَهَلَّبِ قَالَ: فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ: ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ؛ أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ وَدًّا -قَالَ: وَكَانَ وَدٌّ رَجُلًا مُسْلِمًا وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ، فلما مات عَسْكَرُوا -اعتكفوا- حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَجَزِعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُمْ عَلَيْهِ تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ؛ فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أُصَوِّر لكم مِثلَه فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَوَّرَ لَهُمْ مِثْلَهُ، قَالَ: وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ قَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ تِمْثَالًا مثله، فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَمَثَّلَ لَكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالًا مِثْلَهُ؛ فَأَقْبَلُوا فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ، قَالَ: وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ وَتَنَاسَلُوا وَدَرَسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْلادُ أَوْلادِهِمْ؛ فَكَانَ أول ما عُبِد غير الله: الصنم الَّذِي سَمَّوْهُ وَدًّا" (انتهى باختصارٍ من تفسير ابن أبي حاتم (10/ 3375 - 3376) .
فتأمل كيف تَوَصَّل الشيطان للشرك بهذه الخطة الخبيثة بالتدرج مع بني آدم بنقصان الحق وزيادة الباطل؛ فلَم يَبدَأهم بالأمر بعبادة الأوثان، ولكن أوحى إليهم بدعة التماثيل التذكارية والعكوف على قبور الصالحين العلماء المُوَحِّدين؟!