معالم في مواجهة التحديات المعاصرة
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
وقد كانت التلامذة عندهم حقيقة التوحيد دون فهم الفرق بين السُّنة والبدعة، ثم ضَعف العلم أكثر وأكثر؛ فجاء تلامذة التلامذة الذين لم يفهموا مِن التوحيد وأصل الدين ما كان يفهم شيوخهم وآباؤهم فسهُل على الشيطان أن يدعوهم إلى الشرك باسم التوسل والاستسقاء، كما يُجَوِّز مُبتدعة زماننا ذلك، ويطلبون المدد والشفاء، والسند والأمان، وحراسة البلاد مِن الصالحين الأموات!
ويشتدون في النكير على دعاة التوحيد، ويتهمونهم بأنواع التهم الباطلة لتشويه صورتهم؛ ليتسنى لهم إضلال العامة، ولم يفكروا قط في أن أدعية القرآن كلها؛ عن الأنبياء وغيرهم لم تتضمن آية واحدة منها دعاءً فيه التوسل الشركي المزعوم بدعاء الأموات أو دعاء الملائكة والصالحين، والرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد عَلَّم أمته الأدعية العظيمة والأذكار السامية في كل مواقف حياتهم اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية والعمرية وفي جميع الأحوال لا تجد فيها حرفًا مما يَذكره أهل البدع إلا في الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اخترعوها، أو التلبيس على الناس بالاستدلال بما ليس بدليل.
ويتغير الحال وينقص الحق بالتدريج بعد كل نبي من الأنبياء، وهناك مِن الأمم مَن دَخَله النقص في حياة نبيهم، كاليهود؛ فإنهم عَبَدوا العجل في حياة موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بعد أن تركهم أربعين ليلة، بل في وجود هارون -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ، وكادوا يقتلونه لنهيهم عن عبادة العجل، وقد تَعَرَّض المسلمون الأوائل بعد وفاة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهذا النقص الشديد؛ حين ارتد أكثر العرب واتبعوا أدعياء النبُوَّة ولم يكن يُسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد عبد القيس في جواثا بالبحرين، لكن ثَبَّت الله أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فثبت بثبوته الصحابة، وحاربوا المرتدين حتى نصرهم الله عليهم وقضوا على الردة نهائيًّا، وانتشرت بعد ذلك الفتوح ففتحت المشارق والمغارب، ووصلت دولة الإسلام شرقًا إلى الصين، وغربًا إلى الأندلس، وشمالًا إلى القوقاز، وجنوبًا إلى إفريقيا.
ثم وَقَعَت الفتن المتتابعة؛ لينظر الله كيف نفعل، وكيف نعبده في زمن الغربة، وتحمل مشاق الغربة، وهو -سبحانه- يحب من عباده المؤمنين الغرباء أن يتحملوا ذلك، وقد شهدنا في زماننا صحوة إسلامية، وعودة إلى الالتزام بالدين كتابًا وسُنَّة ويَقَظَةً واسعة، لترك البدع والخرافات والدعوة إلى تحكيم الشريعة والحفاظ على هوية الأمة، ثم وقعت الفتن.
وها نحن نرى خطر تفريغ الأجيال القادمة مِن شخصيتها الإسلامية، ونشر الشبهات والشهوات في الشباب، والشبهات أخطر والشهوات أكثر؛ فقد أَطَلَّت الخُرافة مِن جديدٍ، وظهرت البدع المخالِفة لمنهج السلف مرة أخرى، بل وظهر الإلحاد والاعتراض على القرآن صراحة، فضلًا عن الطعن في السُّنة ومرجعيتها وثبوتها ومصادرها، وقَوِيَت حركة التغريب واعتبار ذلك تَمَدُّنًا حضاريًّا، وانتشرت فكرة فصل الدين عن الدولة والسياسة -بل عن الحياة كلها- وإلغاء مرجعية الشريعة في مواجهة القانون الوضعي، والدعوة صراحة لإلغاء "الولاء والبراء" كأنه ليس منصوصًا عليه في القرآن!
بالإضافة إلى كَمٍّ هائلٍ مِن الشبهات حول عامة قضايا التوحيد والإيمان.
أما الشهوات فالمال والجنس والمواقع الإباحية والمخدرات، والصراعات السياسية على المُلك والرياسة والسيطرة تمثِّل أخطر الاختراقات التي تهدد مجتمعَنا.
وكذا إلهاء الشعوب بالمسلسلات والأفلام ومباريات الكرة العابرة للقارات فضلًا عن المحلية؛ مما صارت معه المحافظة على الصلاة في الشباب والنساء نسبة ضئيلة، وصار تعمير المساجد لكبار السن كما كان قبل "الصحوة"، وأصبح الفِطر في رمضان أمرًا مُعتادًا في كثيرٍ مِن البلاد، أما كثرة سفك الدماء بغير حق والسباب والقذف، بل سب الدين -وأحيانًا سب الإله سُبْحَانَهُ- فأصبح أمرًا اعتادته كثيرٌ مِن الشعوب!
فما المخرج إذًا؟!
أولًا: لابد مِن إدراك الخطر والشعور بالأزمة؛ لاستخراج الطاقة الكاملة المتكاسلة عند الكثيرين، والتي صبغ خمولها حياتنا بالعجز والكسل -نعوذ بالله مِن العجز والكسل-.
ثانيًا: لابد مِن الاهتمام ببناء الإنسان؛ فهو حجر الزاوية في الإصلاح والتغيير، فلابد مِن الاهتمام بالعلم بالوحي "كتابًا وسُنَّةً" ليكونا أساس بناء الإنسان؛ عقيدةً، وعملًا وسلوكًا، ومنهجًا، ولابد مِن الاهتمام بأداء العبادات على وجهها وفي أوقاتها، والحذر مِن تضيعها، قال -تعالى-: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (العنكبوت:45) ، والعودة إلى تعمير المساجد، والمحافظة على الأذكار الموظَّفَة وغير المُوَظَّفة، ولابد في مسائل العلم مِن إتقان الرد على الشبهات المُضِلَّة والبِدَع المحدَثة القديمة منها والحديثة، وإعداد فِرَق مِن طلاب العلم للتخصص في القضايا المختلفة المطروحة؛ ابتداءً مِن الإلحاد، والحلول والاتحاد، ونفي الصفات والأفعال، والقول بالجبر أو نفي القَدَر، إلى مسائل التكفير وفكر الخوارج، والتشيع والرفض، والتغريب، وغير ذلك مِن أنواع البدع.
ثالثًا: لابد مِن الدعوة إلى الله بكل الوسائل، والوصول إلى كل طبقات المجتمع، ورفض التحوصل؛ للحفاظ على كيان المجتمع بالحفاظ على الكيان الدعوي للدعوة الوسطية الحقيقية الصحيحة -الدعوة السلفية-، ورفض خيارات التدمير والتخريب والصراع الصفري كما يسميه أصحابه.
رابعًا: لابد مِن التحمُّل والصبر والثبات على ثوابت الدين، والبذل والتضحية في سبيل ذلك، ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر:1-3) .