الفساد (4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
مكافحة الفساد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتعطي دول العالم أهمية كبيرة لمكافحة الفساد؛ إذ إن هذه المكافحة عنوان على نظافة الحكم ونزاهة الحكومات واحترامها لشعوبها، وكذلك مراعاتها إعطاء الحقوق لأصحابها ومنع المظالم في حيادٍ وشفافية؛ مما يساعد على تحقيق الدفع المطلوب للاستثمار والتنمية والتقدم.
وهناك بالطبع جهود كبيرة لمكافحة الفساد في كل دولة على حسب جديتها ورؤيتها المتكاملة في ذلك، وعلى قدر توفر الإرادة السياسية والجهود الإيجابية مِن الحكومة وتجاوب الشعب معها تكون فاعلية هذه المكافحة.
وهناك منذ عقود جهود دولية غايتها كبح جماح الفساد عالميًّا ودفع الحكومات لتحمل مسؤولياتها في مكافحة الفساد داخل دولها، ويتجلى ذلك في منظمة الأمم المتحدة التي أصدرت عام 1988م قرارات بشأن إجراءات مقاومة الفساد عالميًّا، كما قام البنك الدولي بدراساتٍ في هذا الشأن، وامتد هذا الاهتمام إلى الكثير مِن المنظمات الدولية، منها: منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة الثقافة الدولية، والإنتربول الدولي والعديد مِن المؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى.
ولا شك أن الوعي المجتمعي بهذه القضية خطوة هامة في هذا الاتجاه، فلابد مِن تدعيم الإرادة السياسية والجهود الحكومية بتجاوبٍ شعبي واعٍ يشارِك ويساهِم في مكافحة الفساد بدفع وتشجيع المزيد مِن الجهود والخطوات الفعَّالة مِن مسؤولي الحكومة وأعضاء البرلمان في مكافحة الفساد، وتطوير هذه الجهود والخطوات لتناسِب الواقع المعاش، ومِن خلال قيام أفراد المجتمع بدورهم في مواجهة الفساد والحد منه وتحطيم معاقله، وذلك مِن خلال وضع تصور ورؤية كاملة متكاملة لمكافحة الفساد.
خطوط عريضة لمكافحة الفساد:
تتطلب مكافحة الفساد في أي مجتمعٍ أمورًا، منها:
1- الاعتراف أولًا بوجود الفساد واستشعار خطره على الأمة.
2- إيجاد الرغبة والإرادة الجادة ثانيًا في مكافحة الفساد سياسيًّا وشعبيًّا، أي مِن الحاكم والمحكومين.
3- السعي والعمل المتواصل الجاد والفعَّال في إحلال الصلاح محل الفساد في كل مكان.
وهذا السعي حتى يكون جادًّا وفعَّالًا يتطلب:
1- التعرف على أسباب الفساد على اختلاف أنواعه وأشكاله؛ إذ يتعذر علاج الفساد دون معرفة أسبابه والتعامل معها.
2- رصد الفساد بأشكاله وتتبع مراحله وخطواته، والتعرف على درجاته، فالفساد متفاوت في درجاته وبالتالي تتفاوت خطورة صوره بما يتطلب:
أ- البدء بمواجهة الفساد الأخطر، فالفساد الأقل خطورة.
ب- تتبع الخطوات بعد رصدها والتعامل مع كل خطوة بما يناسبها مِن إجراء وتعامل مضاد.
ج- التدرج في مواجهة الفساد حتى تكون المواجهة فعالة، ويمكن مِن وقتٍ لآخر تقييم الجهود القائمة المبذولة، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها.
حاجة مكافحة الفساد إلى رؤية متكاملة:
ولما كان الفساد عملية مستمرة ومتجددة، تتجدد صوره وتتكرر صوره كل يوم، ويحتاج الأمر أن نسعى لإزالة صوره التي في الأيام الماضية، فنحن أيضًا نحتاج أن نسعى لمنع ما يمكن وقوعه مِن صور الفساد غدًا، وفي الأيام القادمة؛ لذا فالرؤية المتكاملة لمكافحة الفساد تقوم على السير في خطين متوازيين في وقتٍ واحدٍ لا غنى لأحدهما عن الآخر:
أ- خط وقائي يتعامل مع مقدمات الفساد وأسبابه ليمنع بقدر الإمكان ظهور المزيد مِن الفساد في الأيام القادمة واستفحاله.
ب- خط علاجي يتعامل مع صور الفساد الموجودة بالفعل مِن خلال رصد أجهزة الرقابة والمتابعة لأنواع الفساد التي في المجتمع، وتتبع خطواتها، والتعرف على درجاتها والتعامل معها بما يزيلها ويقضي عليها بالكلية.
والوقاية مِن الفساد تتطلب:
منع مقدمات الفساد عن طريق:
1- وضع الأجور العادلة المنصفة التي تناسب مستوى المعيشة السائد في المجتمع وظروف الغلاء إن وجد، حتى يشعر الفرد بالرضا عما يتقاضاه؛ كل حسب جهده وعمله، وتحسين دخول الموظفين بما يسد حاجاتهم وحاجات أسرهم الأساسية مما يمكِّنهم مِن مواجهة ومقاومة الإغراءات المادية التي قد يتعرضون لها، فلا يعاني الموظف مِن شدة الصراع بيْن قوى الشر المتمثلة في صور الفساد وبين قوى الخير النابعة مِن فطرته السوية، ويتطلب ذلك حسن التدريب ورفع الكفاءة للموظفين عامة والجدد منهم خاصة، وكذلك تقديم الحوافز المادية والمعنوية للموظفين في مقابل الأداء الجيد للعمل المطلوب منه.
ومِن صور الحوافز المعنوية: الإعراب عن التقدير لكفاءة العامل المجد والاعتراف والإشادة بجهده تشجيعًا له ولغيره على المزيد مِن العطاء والإخلاص فيه، والابتعاد عن أوجه القصور أو الفساد.
ومما ينبغي التنبه إليه في هذا الشأن: أن ترتيب الحاجات الإنسانية تكون على شكل هرم قاعدته الحاجات المادية الفسيولوجية الأساسية، وتتدرج الحاجات ارتفاعًا حتى تصل في قمة الهرم إلى الحاجات المعنوية، ومنها الحاجة إلى تحقيق الذات وإلى التقدير والاحترام.
2- التوعية بخطر الفساد بكل صوره، الكبيرة والصغيرة مِن رشاوى وهدايا، ومِن وساطة ومحسوبية ومحاباة، ومِن ابتزاز واختلاس ونهب للمال العام وإهداره، وآثار ذلك السلبية الكثيرة على اقتصاد الدولة ونموه، وعلى المجتمع وصلاحه ومحاولة إصلاحه.
3- تغيير المسؤولين والإداريين وأصحاب النفوذ المساهمين في حدوث الفساد بأنواعه، أو غير الجادين في مواجهته ومكافحته.
4- الحرص التام على إيجاد البطانة الصالحة مِن المسؤولين والإداريين الأكفاء والمؤهلين لتحمل مسؤولياتهم، ممَن عندهم الرغبة الجادة في محاربة الفساد ومواجهته.
5- تفعيل أجهزة الرقابة والمتابعة الموجودة، لكشف الأخطاء وتصحيح الانحرافات قبْل استفحالها، واستكمال ما تظهر الحاجة إلى استكماله مِن أوجه النقص أو التقصير نوعًا وكمًّا، مع تقوية دور الإشراف على العمل للاطمئنان على سير العمل وفقًا لما هو مطلوب منه وموضوع له، مع المساءلة والمحاسبة، مع ضرورة التفريق بيْن صور الإهمال والتراخي وصور الفساد المتعمد، وكمال المراقبة أن تكون مسؤوليته مسؤولية جماعية، يقوم فيه الفرد بمراقبة نفسه بنفسه رقابة ذاتية، ويقوم به القادة والمديرون، ويقوم به أفراد المجتمع مجتمعين، فالرقابة تكون بذلك مِن الدولة والمجتمع بأكمله.