شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بيان من "الدعوة السلفية" بشأن حادث القتل الوحشي للمسلمين في "نيوزيلندا"!

صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان العالمُ قبل بعثةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- يعجُّ بالعصبيةِ الجاهليةِ، واستعلاءِ كلِّ جنسٍ على الآخر، والقتال الذي يبدو بلا هدفٍ ولا غايةٍ؛ إلا أن ينتصر جنس على آخر، فيأخذ المهزوم في إعداد العدة ولو لعشرات السنين؛ ليعاود الكَرَّة مرة أخرى ويذيق خصمه مِن ذات الكأس! وهكذا كانت الحرب سجالًا بين الفرس والروم، وليس أمام الأمم الأخرى إلا أن تختار واحدة منهما تدور في فلكها، تحارب بحربها، وتسالم بسلمها.

وبينما الأمر كذلك إذ أرسل الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويدعو كذلك إلى نبذ تلك العصبية الجاهلية، وأنزل الله عليه قوله -تعالى-: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وهذه التقوى في شريعة الإسلام هي اللُّحْمَة الحقيقية بين المؤمنين، قال الله -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:71) .

وهي لُحمة لا يَنتج عنها فساد أو إفساد أو ظلم للآخرين؛ لأن الله خاطب المؤمنين بمقتضى إيمانهم بالله وتقواهم له، مطالبًا إياهم أن يوفوا بعقودهم قائلًا: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) .

وكان من جملة هذه العقود "وثيقة المدينة": التي أسست دولة عظيمة بنظامها وعدلها واستيعابها لأقليةٍ يهوديةٍ، طالما ضاقت الدول الإمبراطورية بوجودها؛ هذا مع أن تلك الدولة مقامة على مساحةٍ صغيرةٍ مِن الأرض لم تكن تكفي قبل الإسلام لأن تتشارك على الإقامة فيها قبيلتان.

وحتى في العلاقات مع الدول الأخرى جاءت شريعة الإسلام بأرقى التشريعات سلمًا وحربًا؛ فسادت الأمة الإسلامية العالم، وأقامت تلك الحضارة العظيمة حيث لحمة الإيمان، وولاء الإسلام يشمل كلَّ مَن يدين به مِن أي جنسٍ، وحيث مظلة البر والإحسان تشمل كلَّ مَن يسالمهم مِن أي دينٍ أو جنسٍ، كما قال -تعالى-: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) .

ثم دار الزمان دورته وعادت تلك الأمم المتعصبة إلى قيادة العالم؛ فعادوا متعصبين لجنسهم ولقوميتهم ولدينهم ولمذاهبهم، فقادوا العالم إلى حربين عالميتين أكلتا الأخضر واليابس!

فلما اكتووا بنيران تعصبهم جلسوا يقررون مبادئ للتعايش السلمي، وأنشأوا لها المنظمات العالمية، وبالفعل تعايشوا فيما بينهم على مضضٍ وعلى وجلٍ مِن أن يعيدهم أي تصرفٍ طائشٍ إلى مربع الاقتتال مرة أخرى.

وإن كان الغالبية العظمى منهم قد استطاعوا أن يتغلبوا على نزعات التطرف العنصري لبعض القوميات أو الأعراق داخل الإطار الأوروبي، لكن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بالحضارة الإسلامية التي بقي كثيرٌ مِن المثقفين والساسة في الغرب على حقدهم عليها، ومَن لم يحرِّكه حقده تملكه خوفه مِن أن تعود تلك الحضارة بما تمتلكه مِن مقومات، لقيادة العالم قيادة حكيمة رشيدة؛ حتى انطبق عليهم قوله -تعالى-: ( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) (آل عمران:118) .

وأخذ هذا النظام العالمي يطالِب المسلمين بحذف قضية الولاء والبراء، وقضية الجهاد وغيرها مِن القضايا مِن قاموسهم؛ بزعم أن الزمان قد تجاوز ذلك، وأن السلام العالمي قد ساد، وأن ... وأن ... !

وفي الواقع: إن معظم ما يريدون مِن المسلمين أن يتوافقوا معهم عليه تستوعبه الشريعة الإسلامية -بلا حذفٍ منها أو تحريفٍ لها- بما أتتْ به مِن الأمر بالوفاء بالعقود، فلو كانوا صادقين في الالتزام بما أعلنوه؛ لكفاهم أن يتعاهدوا مع المسلمين عليه، ولكنهم -للأسف- مراوغين مناورين متربصين، يريدون منا أن نعلِّم أولادنا الانهزامية، وأن نحذف مِن قاموسنا كل أدوات المناعة الذاتية والمقاومة الحضارية، بينما هم يغذون أبناءهم على الحقد والعداء المطلق!

- ومِن هذا المنطلق يتصرف كل قادة الكيان الصهيوني مع العرب "ومع المسجد الأقصى"؛ ضاربين بكل قرارات الأمم المتحدة عرض الحائط -ومَن أمِن العقوبة أساء الأدب-، فهم يَعلَمون أن لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن يمكن أن يفعلوا شيئًا، بل هم يعلمون أن الدول الكبرى في تلك المنظمات في حقيقة أمرها راضية، بل محرِّضة على ذلك، وإن ذرت في الأعين تصريحات استنكارية سرعان ما تنقشع بـ"فيتو" يقف بالمرصاد ضد أي إجراءٍ عقابيٍ يَصدر في مواجهة الإرهاب الصهيوني!

- ومِن هذا المنطلق: جاء الاعتداء الوحشي الإرهابي مِن مسلحٍ على مسلمين مسالمين في صلاة الجمعة في "نيوزيلندا"!

- ومما يزيد مِن وحشية الجريمة، ويضع المجتمع الغربي كله في بؤرة الاتهام: أن الإرهابي الخسيس أرسل رسالة إلى رئيسة الوزراء، ونشر عزمه على تنفيذ الجريمة على الفيس بوك قبل بفعلها بـ 10 دقائق كاملة، وبثَّ فيديو له أثناء تحركه إلى تنفيذها، ولم تتحرك أي جمعيات حقوق إنسان، ولا الشرطة، ولا الاستخبارات، ولا ... !

- ثم إنه ارتكب الجريمة في مسجدٍ ثم توجَّه إلى آخر يبعد عنه 4 كم، وانضم إليه اثنان آخران، وكل هذا والشرطة غائبة، ولم تحضر إلا بعد انتهاء الجريمة بساعةٍ كاملةٍ!

- ثم بعد هذا بساعاتٍ حاول مسلحان استهداف أحد المسلمين أثناء عودته مِن صلاة الجمعة في لندن!

وبعد هذا العرض المؤلم لهذه الفجائع:

الصفحة التالية